عائله سعيده ؟ والدان محبان؟
كل شيء تحطم في سن الحادية عشرة. وكان تلك الحياة الملونة التي كان يعيشها فرغت من الوانها لتصبح رماديه بلا لون. كذلك اليوم المشؤوم الذي استلم فيه بقياده شقيقه الأكبر جثمان والدهما. كل شيء كان ينذر بالشؤوم.
كانت تلك هي المرة الأولى التي يدرك فيها معني الموت، في عمر بالكاد استطاع فيه أن يفهم معني الموت، تدارك الموت اهم فردين في عائلته، في عمر بالكاد حاول أن يفهم فيه معني الفقد. ظل شقيقه الأصغر متشبثا به يبكي خائفا أنه يرغب في امه بينما لم يكن يدرك أن من تحمل في التابوت أمامه هي "امه".
بكت الغربان من حولهما واستمر صوت عويل النساء علي المفقودين يصدح في الإرجاء سار الرجال بخطوات ثابتة تنضح بثقل الأجواء، البعض منهم يسير أمامه بربت علي كتفه يتمتم بكلمات يحفظها عن ظهر قلب فقط لمثل هذا اليوم "البقاء والدوام لله وحده"
"تعازي الحاره"
"أن لله وإن إليه راجعون"
كلمات بالكاد يستطيع هو ذو الحاديه عشر أن يتدارك معناها ظلت تتردد من حوله مع لمسات تثقل الروح قبل الجسد. بينما سار الجزء آخر من الرجال يحملون الجثمان منهم من يساعد شقيقه في حفر القبر ومنهم من يردم اخر امتلأ بجثه أحد والديه.
في ذلك الوقت بكت السماء قبل أن تبكي عينيه، في ذلك الوقت الجميع بكي، أخيه الصغير الذي يبحث عن أمه غير مدرك للضجة حوله، أخيه الأكبر الذي لم يصمد من هول الموقف، وهو من كان معلق بينهما يبكي علي بكائهما تارة وتارة اخري يبكي عندما يستذكر ما يعنيه الموت وما يعنيه فراق والديه.
منذ ذلك اليوم ولم تعد الحياة سهله بالنسبه لهم.
****
أنه الان يبلغ العشرين من عمره. في نفس عمر شقيقه الكبير عندما توفي والديه. ويالها من سخريه أن اول شيء فكر فيه عندما بلغ العشرين هو "انا لست اهلا لهذه المسؤولية" شعر وكأنه اصغر من أن يتحمل شيئاً تحمله شقيقه في ذلك العمر. تربيه طفلين مع تحمل خسارة الوالدين في نفس الوقت كان شيئا لا يمكن تحمله، لذلك قد زاده هذا فخرا واعتزازا بشقيقه.
كونه بلغ العشرين فالان لم يعد هنالك المزيد من ليالي الجوع لم يعد هناك المزيد من الليالي الباردة فلن يعود ذلك الوقت الذي تنمر عليه شخص ما لانه لا يملك والدين، ولن يعود أقاربه لمضايقت شقيقه من أجل مال والديهم، لم يعد هناك اخ اصغر يشتكي من الجوع والبرد، لن يعود ليستمع لصراخه بحثا عن والديه.
الآن وقد كبروا لقد مر وقت طويل علي تلك المأساة ولن يعودوا لها ابدا.
خرجت منه تنهيده طويله عندما نظر للساعه المعلقة علي معصمه. كانت العاشرة تقريبا. أدار المفتاح بين يديه وفتح الباب داخلا للبيت، خلع حذائه وعلق معطفه بجانب الباب سار علي اقرب طاوله أمامه ورمي عليها مفاتيحه ثم استلقي علي الاريكه بارياحيه منتظرا الآتي.
