" الفائزون يفوزون دوما و الخاسرون يخسرون دوما "
في السنوات الأخيرة، استطاعت البشرية تحقيق تطوّر تكنولوجي وعلمي بشكل رهيب، حيث أُطلق عليها اسم "الثورة التكنولوجية". امتلأت السماء بسيارات طائرة لا تحتاج إلى سائق، حيث يتم تنظيم حركة السير باستخدام آليين تظهر على شاشاتهم إشارات المرور وأولويات السير، حتى إنهم يجيدون التعامل مع الحوادث والمصابين وتطبيق الإسعافات الأولية.
أُحذية فائقة السرعة مضادة للجاذبية، فالسير بها هو طيران في السماء مع الرياح العاتية التي نَسيمُها يعطي شعورًا بالحرية، يحتضن جسدك كأنه بطانية تستمدّ منها الأمان.
وأما في التعليم، فأصبحت أداة الطالب الوحيدة هي لوحته الإلكترونية التي تحمل جميع معلوماته الشخصية ودروسه في جميع المواد، وحتى علاماته التي تُرسل مباشرة إلى حساب ولي أمره عبر موقع المدرسة. بصراحة، تم انتقاد هذا الإجراء من طرف الطلاب لكن دون جدوى. بالإضافة إلى أن الغشّ صار مستحيلًا؛ إذ تُصاغ أسئلة الامتحان لكل تلميذ بشكل منفرد باستعمال برامج حديثة وتُرسل إلى لوحته الإلكترونية، وكذلك الروبوتات الحارسة التي تستشعر أي تحرّك أو صوت مريب، فلذلك لا داعي للمحاولة حتى.
أما في الطب، فقد اكتُشفت أدوية للكثير من الأمراض المستعصية ، و قد صارت الروبوتات تشارك في العمليات المعقدة كجراحة الأعصاب والقلب وكذلك نزع الأورام. كما تقوم بتحضير المحاضرات وتكوين دكاترة المجال باستخدام المحاكاة ثلاثية الأبعاد.
وقد مست ثورة الروبوتات أيضًا أعمال البناء؛ فقد شُيّدت ناطحة سحاب ذات ثلاثمائة طابق مخترقة الغيوم، فتعطي منظرًا خلابًا للغروب، وكان قد اكتمل بناؤها في حوالي شهر، وهو زمن قياسي مقارنة بأعمال البشر.
ولا ننسَ أشغال التنقيب واستكشاف الأماكن غير المأهولة بالسكان كالفضاء؛ فقد أُرسلت بعثة إلى المريخ، وقد اكتشفوا من خلالها حجرًا ذا طاقة مهولة، القطعة منه تستطيع إنارة الأرض لمدة شهرين. وحتى أعماق المحيطات، فقد ساهمت التكنولوجيا من خلال الموجات الصوتية في استبيان كيفية تحرّك الصفائح الأرضية وتشكل الظهرات والزلازل والبراكين، بشكل أحسن مما كان في عدة أجيال مضت، مع أن التنبؤ الكامل بها لا يزال غير ممكن.
وتم إيجاد حلول للعديد من المعضلات؛ فمثلًا صار السفر من مشرق الأرض إلى مغاربها لا يزيد عن الساعة بالسفن المحلقة في طبقات الجو وبقطارات الأنفاق العابرة للمحيطات.
ولكن، ومن الجهة الأخرى، تطورت أسلحة الدمار، والتي تستعملها الدول المتقدمة لسفك دماء كل من يعترض طريقها في تلبية حاجاتها وإشباع جشعها من المواد الخام، تلك المواد المدفونة في بلدان مستضعفة لا حول لها ولا قوة، والتي أصبحت مجرد ساحة حرب تتنافس الدول العظمى على استعمارها.
فبينما الأغنياء يزدادون غنًى على غناهم ويحلمون بامتلاك أعالي السماء، في الجانب الآخر من العالم هناك من يحلمون بامتلاك كسرة خبز، يتصارعون على قطرة ماء؛ من أم ثكلى فقدت أولادها، إلى أرملة ودّعت زوجها، إلى أطفال يتامى يتساءلون عن ماهيّة هذا الكون الفسيح، ثم إلى مبتور يد أو ساق، إلى مريض عضال.
فبالطبع، التطور التكنولوجي والصناعي مصحوب بالتلوّث، و بلا شك فقد حولت المستعمرات إلى مجرد مكبّ للنفايات والمخلفات، فكيف لا تنتشر فيها كل أنواع الأمراض؟ هؤلاء الناس الذين كانت لهم أحلام ومساعٍ في هذه الحياة؛ فأحدهم أراد أن يكون طيارًا، وآخر طبيبًا، وذاك مهندسًا، كلٌّ أراد أن يضع بصمته، أن يُسمِع صوته، لكن لمن؟ لعالم أصمّ لا يسمع صُراخ الجريح، أنين الفقيد، تضرّع الذليل، فقط صوت الحروب الدامية، التفجيرات المتعاقبة، الأسلحة المدمّرة، هذه التي إن وجدت مظهرًا للحياة أبادته، كلَّ ما كان قائمًا من مدارس أو منازل أو مستشفيات، أحلام أو آمال، كله صار رمادًا ودماءً وأحزانًا، منثورًا على الأرض، منقوشًا على الحجر.
أهذه هي ملامح الغد المنشودة؟ أم هي تلك الكذبة المعهودة؟
YOU ARE READING
ميروس
Adventureفي عالم طغت عليه التكنولوجيا كل يطمع ليكون الأفضل والأسمى في سلم التطور ، فالبنايات ارتقت لأعالي السماء والمصانع في كل مكان بدأت الأرض تبور و القوى العظمى تتصارع على اخر قطرات مصادر الطاقة ،لم يتوقع أحد أن الطمع وحده سيولد أكبر كارثة في تاريخ البشر...
