ورشة الحدادة والصباغة
في قلب بغداد، حيث تتشابك رائحة المعدن المحروق مع عبير الأصباغ، يجلس علي، الشاب الذي لم يتجاوز منتصف العشرينات، لكن سنوات عمره القليلة حُفرت على وجهه الشاحب كأن الروح قد هجرته. عيناه العسليتان الساحرتان، المحاطتان برموش كثيفة، تجولان بسكون مخيف، نظرات ميتة لا تحمل إلا الشتات.
يحدق في وجه من يمقته، في وجه الشخص الذي ينمو كراهيته ببطء مؤلم داخل صدره، نارًا تأكل روحه. إنه مجبر على احترام هذا الشخص، على التعايش مع وجوده الذي لا يطيقه، فذلك جزء من عمله.
يكره علي سيطرة هذا الرجل المطلقة، يكره كيف يتعامل أصدقاؤه القدامى، رفاق دربه لسنوات، معه كأنه لم يؤذه قط.
يدرك أنهم عاجزون عن فعل شيء، تمامًا مثله، لكنه يتمنى لو قطعوا علاقتهم به، لو توقفوا عن العمل معه لأجله. هذا "النظام" الذي يرفض خلط الأمور الشخصية بالعمل يخنقه. فما حدث له ليس مجرد "أمر شخصي"، بل هو حياته كلها التي انقلبت رأسًا على عقب بسببه. كيف له أن يعبر عن هذا البركان الذي يغلي بداخله؟ يشعر أنه لم يعد قادرًا على كبح جماح نفسه. يستمر في مراقبة هذا الرجل، ليس برغبته، بل بأمر من قلبه الذي يرى فيه تذكارًا لأولئك الذين رحلوا بسببه.
"شلون حالهم وياه هسه؟ يذكروني حتى؟"
تنهش هذه الأفكار عقل علي، الذي بذل الكثير وحاول أكثر، لكن كل جهوده باءت بالفشل. يشعر بالتقصير واللوم في كل لحظة، ناسيًا أنه مجرد فتى أرهق قلبه وعقله وجسده، لم يعش رفاهية تمكنه من مواجهة مشكلات كهذه.
في أول لقاء لهما بعد ما حدث، انقض علي على الرجل بشراسة وحشية، يضربه بهمجية غير مكترث أين ستقع ضرباته، ولا لعدد الحراس الذين أحاطوا بالرجل.
حاول الحراس إبعاده، لكن علي قاوم كأنه فقد عقله، لا يفكر في شيء سوى الانتقام. لم يستطع الصمود أمام أعدادهم الكبيرة، فرموه بعيدًا بقوة. لكنه استقام بسرعة، جاهزًا لهجوم آخر.
وقف الحراس يحمون رئيسهم الذي رفع يده ونطق بكلمة واحدة: "عوفوه." تقدم الرجل أمامه حراسه، متصدرًا المشهد. حاول علي مهاجمته مرة أخرى، لكن يدًا قوية أمسكت به، ولَوَتها خلف ظهره، مسببة له ألمًا لا يطاق. هبت عصابة علي لنجدته، تطلق الشتائم، وتزداد أصواتهم ارتفاعًا، مقبلين على اشتباك عنيف مع رجال الخصم.
لكن حراس الأكبر كانوا يفوقونهم عددًا بكثير، فقد كان يتوقع أن غضب علي سيسيطر عليه حتمًا.
مد الرجل قدمه اليسرى أمام قدمي علي وسحبها بسرعة خاطفة للخلف، مما جعل علي يسقط للأمام ويرتطم بقوة على الأرض. صرخ علي بألم بعد أن ارتطم فكه بالأرض، وجسده بالكامل.
ظل الأكبر يضغط على يده بقوة، يلويها أكثر فأكثر. "شنو أنت اله تنكتل لو شنو؟ الزم الدودة اللي بيك أحسن ما أكسرلك ضلوعك هسه." نطقها وهو يضغط على ضلوعه بقوة، مؤكدًا جديته.
YOU ARE READING
على حافة الجنون
Fantasyصراع نفسي قاسي يعيشه علي مع رعد، يجبره على التخلي عن عاطفته وكل ما يملك . . . . . 'مثلية
