1

74 6 3
                                        

الساعه الثانيه عشر
السنه 143 الشهر 2 اليوم 23

في أعماق الأرض، داخل غرفة موحشة تتوزع فيها الجثث الممزقة والمتناثرة على أرضية مغطاة بدماء داكنة، كانت الغرفة تبدو كمعمل تجارب مهجور، تفوح منها رائحة الموت واليأس. في المنتصف، طاولة معدنية يعلوها جسد بلا حراك، قطة ذهبية مضرجة بالدماء.

وسط هذا المشهد، كانت الفتاة لا تزال مستقيمة، عيناها معلقتان بجسد رفيقها الملقى على المنضدة.
فجأة، شعرت ان قدماها تخونانها، وانهارت إلى الوراء. لكنها لم تصل إلى الأرض؛ احتضنتها امرأة قبل أن تسقط، ويدها ترتجف وهي تربت على رأس الفتاة كأنها تحاول إيقاظها

"لا، لا! افتحي عينيك!" صرخت المرأة، والدموع تنهمر كالسيل من عينيها.

فتحت الفتاة عينيها بصعوبة، جفونها مرتخية كأنها تقاوم الموت نفسه. همهمت بشيء غير مفهوم، فازداد بكاء المرأة، وناشدتها بصوت مختنق:
"لا تغمضي عينيك. كل شيء سيكون بخير... أعدك!"

بجهد، ركزت الفتاة نظراتها على المرأة التي طالما صدقتها، واحتوتها في أحلك أوقاتها. مدت يدها المرتجفة نحو وجه المرأة ومسحت دموعها المتساقطة، ثم همست بصوت واهن:
"لا تبكي..."

لكن الألم الذي اعتصر قلبها كان أقوى. شهقت بصوت عالٍ، وهي تمسك صدرها. شعرت بشيء يغادر جسدها؛ روحها تتلاشى تدريجيًا.
وبينما كانت المرأة تضغط على جسدها البارد بحنان يائس، تساقطت خصلات شعرها الأشقر على وجه الفتاة.

رفعت الفتاة بصرها مرة أخيرة، نظرت إلى المرأة بألم يعتصر قلبها وجسدها، ثم أغلقت جفنيها أخيرًا، مستسلمةً. وفي أعماق ظلام أفكارها الأخيرة، فكرت:
(في المرة القادمة... سنخرج. أرجو أن يكون هناك شيء مختلف هذه المرة... شيئًا واحدًا فقط... شيئًا فقط!).

تساقطت دمعة أخيرة من عينيها المغلقتين، واستسلم جسدها تمامًا، معلنًا موتها.

صرخت المرأة وهي تضم الجسد البارد لصدرها، والدموع تغطي وجهها:
"لماذا؟ لماذا يجب أن تعاني؟ أرجوكِ، عودي لي يا صغيرتي!"

رفعت رأسها ببطء، عيناها الباكيتان تتجولان في الغرفة. كان المشهد كابوسًا حيًا: الجثث الممزقة، الأدوات المغطاة بالدماء، وصوت الصمت القاتل. ركزت نظراتها على القطة الذهبية الملقاة على الطاولة، دماؤها الداكنة تلطخ سطح المنضدة.

ناشدتها بصوت مكسور:
"جين... جين... اقترب إلينا. سيرا لم تعد تستيقظ مهما ناديتها..."

لكن القطة لم تتحرك؛ كانت ميتة أيضًا.

رن صوت ضحكة ساخرة خلف المرأة، قطع الصمت الثقيل كالسيف. استدارت ببطء، والغضب يشتعل في عينيها، لتواجه رجلًا في أواخر الأربعين من عمره. كان يقف بثقة مفرطة، يمسك قنينة زجاجية تحتوي على دماء داكنة، يلوح بها كأنها غنيمته الثمينة.

"ما رايك.." قالها الرجل بابتسامة مشوبة بالسخرية بينما يلوح بالقنبية امامها.

شدت المرأة قبضتيها، وعيناها تلمعان بالغضب والقهر. همست بصوت خافت لكنه مليء بالعزم:
"ستندم على هذا ."

قهقه الرجل بصوت مرتفع، ازدادت سخريته وهو ينظر إلى جسد الفتاة الميتة بين يدي المرأة:
"وكيف ستفعل؟ إنها ميتة."

لكن كلماته توقفت فجأة، وحلت محلها ملامح من الذهول والخوف. ارتجفت يده التي تحمل القنينة، وسقطت على الأرض حين لاحظ الضوء الذي بدأ يتصاعد من جسد الفتاة والقطة الميتة.

كان الضوء في البداية خافتًا، لكنه سرعان ما اشتد، وأصبح وهجًا ساطعًا يملأ الغرفة. تراجعت المرأة خطوة إلى الوراء، بينما عيناها تغرورقان بالدموع. نظرت إلى الجسد الذي بين يديها، وابتسمت ابتسامة مشوبة بالألم:
"في المرة القادمة... سننجح يا سيرا."

ضمّت جسد الفتاة بقوة إلى صدرها، وكأنها تحاول الاحتفاظ بكل لحظة قبل أن يبتلعهاةالضوء بالكامل.

بصوت مختنق، أكملت:
"أنا آسفة... آسفة لأنني سأفقد هذه الذكرى. لكن أرجوكِ، لا تتخلي عني... تعالي إلي مجددًا، سيرا. أنتِ دائمًا ابنتي التي لم أنجبها."

مع تصاعد الضوء، أصبحت الغرفة بأكملها غارقة في وهج كاسح. أغمضت المرأة عينيها، تاركة نفسها تغرق في هذا السطوع، بينما دموعها لا تزال تنساب بهدوء على خديها.

ثم اختفى كل شيء.

---

حين هدأ الضوء، فتح الرجل عينيه ليجد نفسه واقفًا وحده  مع الجثث والمراه الشقراء. نظر حوله بذهول، باحثا عن الفتاه وذالك القط  التي لم يعودا موجودين وأنفاسه تتسارع. ثم رآها...

في منتصف الغرفه، ظهرت ساعة ضخمة. عقاربها تدور بعنف نحو الوراء، وكأنها تعيد الزمن بوحشية لا ترحم.

"ما هذا؟" تمتم بصوت مرتجف خطاه تتراجع بخوف.

حاول الركض نحو الباب وهو يصرخ "علي إبلاغه... يجب أن يعلم بما حد......."

لكن قبل أن يكمل، توقف الزمن من حوله صوت  ليعلي رنين الساعة ملأ الغرفة، كان صوتًا قويًا ومخيفا. الرجل جمد في مكانه، ثم هوى على الأرض بلا حراك، كدمية فقدت خيوطها.

توقفت عقارب الساعة أخيرًا عند:

الساعة السابعة صباحًا،
السنة 132 الشهر 4 اليوم 28

تلاشيHistorias para obsesionarse. Descúbrelo ahora