الخامس والتسعون

914 67 11
                                    

لايك ورايكم يهمني
——-

الفصل الخامس والتسعون..
***
رهان خاسر...
عندما راهن على أزلية بقائها بأحضانه، فكم معركة خاضها وكم ملحمة عاشها لملاقاة طلة روحها الندية، كم صارع الجميع لأسرِها داخل زنزانة قلبه؛ حتى تبقى بجانبه هو فقط دون غيره، ليفيق على ألم تحطيمها لقفصها الذهبي وهجرِها لذلك النابض اللافظ لأنفاسه الأخيرة، فقد كان رهان خاسر..

بساقين متخدرتين لا يقويان على حمل ذلك الجسد الضائع، يعلوه رأسا منكس بضياعٍ وحالة رثة شملت هيئته كليا، بجانب خصلاته الشعواء ولحيته النابتة التي ضافت لعمره أعوامٍ زائفة وقف أمام مكتب الضابط الموكل له التحقيق في تلك الجريمة الكارثية التي سقط فوق رؤوس الجميع بين ليلة وضحاها، حتى ظن عقله لهوهم معه بذلك الخبر ليضربه سريعا صدق حديثهم عندما أجبر على الاحتجاز بتلك الزنزانة الفاقدة للتهوية، المكتظة ببشرٍ يختلفون عنه شكلا وموضوعا.
رفع رأسه عندما سرقته تلك النبرة القاسية المشددة على سؤالها بنبرة صريحة متهمة:
-ألم تسمع سؤالي؟، فالإنكار لن يفيدك بل يسئ من موقفك أكثر، ما قولك فيم هو موجه إليك من تهمة قتل زوجتك السابقة "همسة الجبالي"؟
رفع رأسه يرمقه من خلف عينين غائرتين يلفظ صاحبها أنفاسه بشحوب وجهه، يجيبه بنبرة متحشرجة:
-مستحيل ما تقولوه، حتى الآن لا أصدق ما تخبراني به، أنا مستحيل أن أصيبها بأذى، مطلقا!
أسند الضابط مرفقيه فوق مكتبه، يخبره مراوغا:
-ولكن هناك شهود ضدك، وكل الدلائل تشير بأصبعها إليك، فلا تتعبنا وصارحنا بما حدث، لقد وصلنا الكثير من المعلومات أنكما كنتما على خلاف دائم، وهناك من شهد أيضا أنك ذهبت إليها في الفترة الأخيرة أكثر من مرة وكان ينشب بينكما شجار يصل صوته للجيران حولكما.
-نعم!، كنا على خلاف بسبب زواجي من غيرها ولكن هذا لا يدفعني للتخلص منها أبدا.
فتح المحقق مظروفا بجانب يديه يخرج منه بعض التقارير، يخبره بما استدلوا عليه:
-لقد فحصنا مكالمات هاتفها ورسائلها الخاصة، ووجدنا رسائل بينكما فيها الكثير من التهديدات من قِبلك؛ بسبب مطاردتها لكَ، ولكن لفت نظري رسالة منها تهددك فيها بأنها ستبلغ زوجتك بكل شيء بينكما.
نكس "مروان" رأسه متذكرا أمر تلك الرسالة البغيضة التي دفعته للذهاب إليها لينشب شجارا بينهما كان نهايته لطمها بقوة عندما حاولت إلصاق أمر جنينها به، فتلجلج في حديثه لا يعرف هل من الصواب إخبار الشرطة بذلك الأمر، أم عليه كتمان سرها والحفاظ على سمعتها وعرضها بعد وفاتها حتى لا تكون سيرة نجسة ملتصقة برداء نقائها حتى بعد موتها للأبد، انتبه لسؤاله المترقب:
-فيم شردت؟، أعتقد أن هناك الكثير تخفيه "مروان" ولا ترغب في التصريح به.
-أنا لم أقتلها، أقسم أنني منذ أشهر لم أراها ولم أزورها.
زم الضابط المحقق شفتيه بتفهمٍ فتلك القضية تبدو معقدة، حتى عندما تم استدعاء زوجها السابق المدعو "حسن" أخبرهما أنه انفصل عنها منذ أشهر بسبب شكه في سلوكها وأن ذلك الجنين التي تحمله بأحشائها لا يمت له بصلة، فإن كان زوجها السابق ذلك هو من قتلها لكان فعلها منذ أشهر عند اكتشافها حملها من غيره، فم الذي سيدفعه لقتلها بعد خمس أو ستة أشهر؟، فأصابع الاتهام لا توجه إلا لذلك الماثل أمامه وخاصة بعد اتهام والدتها "جواهر" له، حك شعيرات حاجبه بتفكيرٍ، يضيق الخناق عليه:
-ولكن سيد "مروان" والدتها قدمت اتهاما واضحا لك، وأخبرتنا في التحقيقات أنك من فعلتها بسبب ذلك ... الطفل!
-كاذبة!، إنها تكيد لي.. ترغب في الانتقام لأنني لم أحب ابنة عمي مطلقا، لم أحب سوى زوجتي.
حاصره بسؤاله:
-أين زوجتك؟، من التحريات عرفنا أنها هاربة منك ومختفية منذ عدة أشهر، هل تلك مصادفة أن تقتل واحدة وتهرب أخرى؟
صرخ يرفض ما يحاول إلصاقه به:
-الأمر ليس كما يهيئ لكم جميعا، أنا برئ من ذلك الطفل وتهمة القتل.
-أجعلنا نقول أنها ضيّقت عليك الخناق بالاعتراف بذلك الطفل؛ فرأيت أن التخلص منها أسلم حل لك.
حرك رأسه بالرفض لم استنتجه من يجلس أمامه، يخبره محاولا إقناعه:
-إن كان هذا طفلي ما الذي سيجعلني أن أنكره؟، وأنا محروما منذ سنوات من تلك النعمة، هل يعقل أن أقتلها وأقتل طفلي بعد الانتظار طيلة تلك المدة؟، أنا.. لم.. أقتلها!
طرقات تزامنت مع صمته اللحظي، ليلج ذلك العسكري بمظروفٍ جديدٍ بعد أن قدم تحيته العسكرية رسمية، فتناوله يفتحه بعجالة يمرر عينيه على سطوره بشكلٍ دقيق وسريع ومع نهاية آخر كلمة رفع رأسه باهتمامٍ وحاجبين مرفوعين باستقرارٍ، يبلغه بآخر ما وصل له:
-هل أعتبرها صدفة و دعاء أمك يباركك؟، أم من سوء حظك "مروان"؟
انتبه "مروان" لسؤاله الساخر، ليجده يوفر عليه صدمته، ويخبره بما جعل الصدمة تحل محل ملامحه وقد صعب على الآخر تفسيرها هل هي فرحة أم مرتعبا مما ينتظره:
-لقد أبلغتنا المشفى الآن أن المجني عليها فاقت من غيبوبتها أخيرا.
صرخ بانفعالٍ:
-فاقت!، ماذا تقصد؟، هل تقصد أنها لم تمت؟!
حرك المحقق رأسه باستمتاعٍ لنظرة الهلع التي تنبعث من عينيه، يخبره بتمهلٍ:
-من حُسن حظنا أنها لم تمت حتى الآن!
***
كالكلب الجَرب يطوف بطرقاته منكبا على وجهه لا يدرك ما يدور حوله في دنياه، فكل ما يراه فقط بعين خياله هو صورتها، صورة وجهها الصبوح الذي خلب لبّه وأسره من النظرة الأولى منذ سنوات بعيدة، وجه كالندى يتقطر عسلا، بياضه كالثلج النقي، يشغل عينيه حمرة وجنتيها الوردية عن لون بشرتها الشاذ التي كانت تخفيه دوما بجزء من غرتها السوداء الحالكة بلمعتها الماسية لتخلف بعينيه لوحة بديعة بجمال تقاسيمها البديعة، ليزداد تعلقا بها كطفلٍ ضائع عندما لمس بها منذ اللحظة الأولى رقة قلبها الذي كان يلعنه بداخله دوما، فلولا لينه الرخو؛ ما أطاعته في جرائمهما معا، فلو كانت تحمل قلبا قاسيا ما كانت خضعت لانحراف سلوكه ونجاسته، لكانت وقفت ثائرة رافضة تمنعه من انغماسه أكثر وأكثر في أوساخ وحله.
اقترب منه صاحب الدكان المتضرر من جلسته أمام دكانه، يركله في جانب فخذه بمهانة، يأمره بشراسته:
-اغرب عن هنا، ابتعد فأنت تمنع الزبائن من المرور، هيا!، لا ينقصنا إلا أمثالك.
تألم "جاسم" ليندفع يفرك مكان ضربته بوجهٍ بائس، وبعينين زاغتين رمق الرجل من مكانه وهو ينتفض من جلسته مهرولا برعبٍ من بطشه يتلفت حوله خوفا من أن يكرر فعلته به، يرتطم بالمارة الذين لم يكِلّوا عن دفعه عنهم بقرفٍ؛ لاتساخ ملابسه، يتهدل في خطواته يبحث عنها في وجوه المارة وعينان حررت دموعها لتغسل وجهه من أوساخه، يهمس مستنجدا بها:
-"زبيدة".. أين ذهبت؟، فأنا أحبك "زبيدة".. والله أحبك!، عودي لي رجاء.
جلس عندما لامست قدميه العارتين المغطاة بأوساخها حافة الرصيف، ليجلس ضاما جسده بذراعيه منتفضا ببكائه ضائعا مشردا يأمل في بزوغ نورها يسطع مرة أخرى بحياته من جديد، أجفل ينكمش على نفسه عندما لامسته تلك الأنامل الخفيفة تربت على كتفه لتنبّه لما تحمله بيدها الأخرى، ليجد فتاة عشرينية تقف بالقرب منه تحمل بيدها زجاجة عصيرٍ وبعض الطعام المغلف التي تبيعه بكشكها الخشبي للمارة، تأمره بلطفٍ:
-تفضل!، يبدو أنك جائع.
حرك رأسه بتشنجٍ رافضا ما تقدمه له فهو لا يريد ولا يرغب سوى أمرا واحدا هو حبيبته، نطقت تلك الفتاة الرقيقة بشفقة على ذلك الشاب المشرد، الذي ظهر فجأة في منطقتهما منذ أسبوعٍ ومع مراقبتها لأحواله من بعيد باستمرارٍ لاحظت مسالمته رغم إيذاء الجميع له وتقديمهم للإساءة دون شفقة، سألته بلطفٍ:
-هل ستَرد يدي؟، كُل شيئا فأنت لم تأكل شيئا منذ فترة، أعتبرها هدية.
أشاح بوجهه عنها ينظر للمارة، فوقعت عينيها على ملابسه المنمقة التي تدل على أصله رغم امتلاء ملابسه بوحل الطرقات الذي لا يجف أبدا بفعل الطقس، لاحظت ارتعاش جسده وتجمد قدميه العاريتين، فسألته بشفقة:
-ألا تعرف مكان بيتك؟، لا تتذكر شيئا؟
-لللا.. لا أريد العـــووودة!، أنا أنـــ أنتظر رجوعــ ــها!
سألته باهتمامٍ:
-مَن؟، من تنتظر في ذلك الطقس الخطر.
نهرها بضيقٍ، وكاد أن يبكي:
-ابــبتعدي!، ابتعدي عني، لا أريد أحدا أنا أأنتــ ظرها!،"زبيــــيـــدة"! ستعود.
-لا حول ولا قوة إلا بالله!، حسنا دعني أساعدك فالسماء ستمطر عليك وملابسك خفيفة، ستتجمد يا مسكين هكذا.
دفع يدها بعنفٍ عنها مما جعلها تنكس رأسها بتألم لحالة ذلك الشاب العنيد، لتجد نفسها تستقيم بجسدها ترميه بنظرة مشفقة على حالة فقد حاولت مساعدة للمرة الأولى فمنذ أن لاحظت وجوده وهو يتعفف عن مساعدة الآخرين له، همست بحزنٍ دفينٍ لا تعلم سببه:
-ما حكايتك أيها الشاب؟، ولم تزورني في أحلامي؟
تنهدت تعود أدراجها لمكان رزقها بهدوءٍ وقد عزمت على فعل ما ترددت في فعله مسبقا، وجدت نفسها تخرج من حقيبة بلاستيكية كانت قد وضعتها بنفسها داخل كشكها، لتعود مرة أخرى لذلك العنيد متصلب الرأس محتضنة شيئا ما، حتى وصلت له لتضع بجواره غطاءٍ صوفي قد جلبته من شقتها خصيصا له، ووضعت فوقه زجاجة العصير والطعام الذي رفضه منها قبلا، ظلت ثابتة تحاول مراقبة تصرفه لما وضع بجواره، إلا أنه ألقى نظرة مهتمة لذلك الغطاء يمني نفسه ببعض الدفء الذي ينتقصه حاليا ولكن كبريائه منعه من مد يده لجذبه ليقوم بفعلٍ عكسي أدهشها عندما شدد على احتضان جسده بكبرٍ رافعا أنفه بأنفةٍ يخبرها أنه لا حاجة له لمساعدتها، دفعها ذلك لتحريك رأسها ببسمة يأسها من تصرفه الذي لا يدل إلا على عزة نفسٍ تربى عليها، لتوليه ظهره بيأسٍ منه، إلا أنها ثبتت مكانها عندما نطق مقتضبا:
-شكرا!
التفت ببسمة واسعة ملأت صفحة وجهه، تجيبه برضا رغم صدمتها:
-على الرحب أيها العنيد!
***
كعادتها رفضت هي حشر أنف مساعدتهن في أمر طهي وجباتهن، وقفت تتابع وجبة الغداء الخاصة المليئة بالبروتين الذي يمدهن بالغذاء المتكامل المناسب لحالتهن، أسندت يدها خلف ظهرها تتحاشى ألمه وهي تتذوق حساء الدجاج المبّهر بتوابلها الخاصة والذي يضيف له مذاقا خاصا مشهورة به، انتفضت فزعة من صوت ابنتها الصارخ بجوار أذنها وهي التي لم تنتبه لهرولة خطواتها:
-أمي!، أمي...!
وضعت يدا فوق صدرها المرتعب، ترمقها بلومٍ صارم، تسألها بحدة:
-ما بك "شهد" لم تصرخين هكذا؟، لقد أفزعتيني.
من ملامح "شهد" المرتجفة ظهر لــ "زينب" أن هناك كارثة حتما بين يدها، فشاهدتها تقدم لها هاتفها الخاص، تأمرها بتوتر:
-انظري بنفسك.
تلقت من يدها الهاتف المضئ، بفضولٍ:
-إلى ماذا أنظر؟ لا أعلم ماذا؟... تقصـــ...!
جحظت عيناها بهلعٍ عندما تبينت ما تقصده ابنتها، لتقطع كلماتها بصدمة تنطق باسمه:
-"مروااااان"!
أضافت "شهد" بنبرة شبه باكية:
-نعم أمي، عمّي "مروان" صورته بمواقع التواصل الاجتماعي، الخبر منتشر بشكلٍ مرعب، يقولون أنه متهما بجريمة قتل طليقته "همسة".
لطمت "زينب" بيدها الحرة لا تصدق ما تسمعه وتقرأه بين السطور بهاتف ابنتها، تولول:
-إنها مصيبة، بل كارثة، "مروان"! مستحيل مستحيل أن يفعلها، مستحيل!
-أمي!، هناك أمر آخر غير ذلك الأمر الكارثي.
رفعت عينيها تضيقهما بحذرٍ تعد نفسها لتلقي كارثة جديدة، لتسمعها تخبرها بتردد:
-فإنهم يقولون أن طليقة عمي "مروان" تُدعى "همسة" وهي زوجة أبي الجديدة، إنهم ذاكرين اسم أبي بالتقرير.
-ماذذذااااا؟ مستحيل، مؤكد هناك خطأ.
تدخل آخر صوتٍ يتمنيا أن يصدح في تلك اللحظة:
-السلام عليكم!
تلبكت كلتاهما في رد التحية وراحت تخفي "زينب" الهاتف خلف ظهرها بوجهٍ شاحب لم يتوقف عن الالتفات لابنتها:
-وووعليكم السلام!، لم عدت بدري اليوم؟
ضيقت "هنا" عينيها بشكٍ في أمرهما وخاصة "شهد" الصغيرة التي كادت أن تبكي، فسألتهما بشكٍ:
-ما بكما؟ لم ترمقاني هكذا؟
أسرعت "شهد" في الجواب نيابة عن أمها وهذا كان كفيلا لتزداد ريبة في أمرهما:
-نحن، لا لاأبدا، كيف حالك خالتي "هنا"؟
التوى ثغرها بتهكمٍ من سؤالها، فسألت بعدم رضا:
-ما تلك السخافة كأنني تركتكما لأسبوعٍ، وليس لساعةٍ واحدةٍ فقط؟
صمتا مرة أخرى وراحا يتبادلان الأنظار المرتبكة، قسألتهما مباشرة لعلها تعرف السبب:
-ماذا تخفيان خلف ظهركما؟، اعترفا!
-نحن.. نحن لا نخفي شيئا!، هل أنتِ بخير؟
كان هذا جواب "زينب"، إلا أنها سريعا أغمضت عينيها بيأسٍ عندما صرخت "سهير" من الداخل بأعلى صوتها بما وصلها من أخبار مثلهما:
-كاااارثة!، "زينـــــــب" أين أنتِ، "مروان" قبض عليه...
في ثانية كانت قد وصل "سهير" إليهما بصدمة من عودة "هنا" والتي كانت تظنها لازالت بدكانها الخاص، لتجحظ عيناها مبتلعة ريقها بصعوبة ترمق "زينب" بتوسل أن تنجدها، لتخطو "هنا" بامتلاء بطنها صارخة بوجهها لتكرر ما قالته:
-ممماذا قلتي؟، من قُبض عليه "سهير"، تكلمـــــــــي!
جزت "زينب" على أسنانها تهمس بحنقٍ:
-أيتها الغبية!
تلجلجت "سهير" تحاول البحث عن كذبة:
-ها.. أنا... أنا لم...!
صرخت بهن "هنا" فانهيارٍ لما سمعته:
-ماذا تخفون عني تكلمواااااااا؟

(مَياسِمُ عِشقِكِ) الجزء الثاني من عدا..عديحيث تعيش القصص. اكتشف الآن