أنقضى يوم البارحة بأسوءِ شكلٍ من الممكن توقعه، وبشكلٍ أو بآخر كُنتُ أنا السّبب بذلكَ أيضًا.
بعد أن عدت من الأسطبلِ مشدوهةً من كومة الذّكريات الجديدة الّتي زارت ذهني، لم أكن أعرف ما إذا كانت تنتمي لي أم لا، فلم أقاتل بيومٍ من الأيام في حربٍ ضارية وأقتل كلّ من مر أمامي!
كُنت مشوشة للغاية وضائعة، اعكتفت بغرفتي أحاول استيعاب ما يجول برأسي وقلبي يخفق بشدّة فظيعة حتّى بات يؤلمني. بكيت كثيرًا على أثرِ كلّ ذلكَ، وأضطررت بعدها لملمة شتات نفسي والنّزول للقيام بتجهيز الغداء للعائلة، مع أني كُنت أشكّ أن أحدًا سيأكل.
دلفت للمطبخ بعيوني المُحمرة، والحمد لله أني لم أجد أحدًا هُناك، فَقمت بتفقد محتويات الثّلاجة ورؤية ما لدينا من طعامٍ لطهوه. وجدت دجاجاتٍ مُجمدة، قررت أخراجها وشويها، وبينما أنا أُخرجها دلف أبي المطبخ ورآني. تسمرتُ بمكاني أنظر له وهواء الثّلاجة البارد يلفحني.
لم يبتسم كما توقعت-ولا أدري لماذا توقعت منه الابتسام- اكتفى بتفرسي بنظراته المُتفحصة، ثم قال بهدوءٍ بعد أن أشاح ببصره عني وأكمل طريقه للداخل: «سوف نأتي بالطّعامِ من أحد المطاعم، لقد طلبته مُنذ ساعة، سيصل قريبًا. يُمكنكِ الانتظار قليلًا حتّى يصل وتأكلين.»
تجاهلتُ نبرة الانزعاج في صوتهِ، والّتي رجحت سببها بكونه يظنني أرغب بطهو الطّعام لنفسيّ فقط وكوني غير مكترثة بما يجري من حولي تمامًا. بالعادة أعمل على تجهيز الطّعام لنفسي فقط أن جعت، ولكنّ ليس بكلّ الحالات، كالوضع الحالي. أصلًا لا شهية لي للطعام من بعد كلّ ما حصل قبل ساعات.
لم اسمح له بالمغادرة فقد استوقفته قائلةً: «كُنت سأعد الطّعام بدلًا عن أمي وعماتي... هل يُمكنني أن أسألكَ سؤالًا؟» استغرب قولي هذا بدايةً، فقد عقد جبينه ونظر إليّ من خلف نظاراتهِ مُضيقًا عينيهِ كعادتهِ حينما يستغرب الأمور. لم يَقل شيئًا بل انتظرني أن أتحدث دون الحصول على موافقة رسمية منه، لذا لم أتردد بطرح سؤالي-الّذي سأندم عليه لاحقًا- وجعله ينتظر أكثر، قُلت: «أردت أن أعرف إذاما تراودكَ ذكريات لم تَعشها يومًا، هل هذا شيءٌ طبيعيّ؟»
كُنت أشعر بأن طرحي لسؤالي هذا خطأ ولكنّي لم أهتم لهذا الشّعور وطرحته رغم ذلكَ، وحقيقةً توقعت ردّ الفعل الّذي قام به حينما سمع سؤالي. ابتعد عن الباب الدّاخليّ للمطبخ، وأتجه ناحيتي حيثُ أقف قرب زاوية المطبخ الّتي تنتصب عندها الثّلاجة، سحب الدّجاجة الّتي جدمت يدي مني وأرجعها لموضعها السّابق وأغلق الثّلاجة ثم قال بلهجةٍ شديدة شعرتُ بضيقٍ مزعجٍ بسببها: «ماذا رأيتي؟»
قطبت جبيني وقلتُ بترددٍ وأنا ابتعد عنه قليلًا حتّى ألتصقتُ بالحائطِ خلفي: «ماذا... رأيت؟»
YOU ARE READING
سلالة جِياد
Fantasyالهوية لا تُخان، والأصل لا يُنكر، والدّم دومًا الشّاهد على الحقيقة.
