النهاية

31 5 6
                                        

في غرفة الطفلين ذي الجدران السماوية، على ضوء برتقالي شحيح، جلست داليا تقصُّ آخر حكايات في جعبتها، روت قصّة خفّي حنين، القط والفأر... واختتمت بقصّة خاتم الأنبياء. دقّقت النظر مليًّا في عين الصغيرين لتغتنم آخر ذكراها في العالم. اعتدلت الصغيرة من مرقدها تُناول داليا ضمّة طالت وكأنها تحس بالجو العام وتريد أن تشبع منها، أردفت داليا بنبرة مبحوحة:
- سأشتاق إليكم.

انقض حسن الصغير على أمّه يقتصّ نفس الحنان الذي أخذته أخته سائلًا:
- لمَ علينا النوم مبكرًا؟ لا زلت أتوق إلى اللعب على الحاسوب.. ولمَ تبكين يا أمي؟

جفّفت الدموع مائلة بجسدها لتضعهم في نفس الفراش، فسرت رجفة خفيفة في جسدها قبل أن تردف في شحوب:
- ناما الآن.. عندي عملٌ أقضيه.. وغدًا نلهو.

انصاعا إلى أمر الأم متمدّدين على الفراش، كلٌّ يُولّي الآخر ظهره.. حسن يمسك موضع الحقنة كذلك أخته، الألم خفيف وكأنّه وخز سرب من النمل الأحمر ينخر الذراع ليتحرر. خرجت داليا تبكي في تكتّم تضع يدها على فمها تكظم الصراخ، تنساب الدموع فلا تمسحها. غفلت عن اعتمار الحجاب وهبطت السلم ساهمة الوجه تنهج في عنف تسير في الشارع وهي تصرخ:
- أرحتهما من عذاب الدنيا بيداي تلك، حقنت طفلاي بجرعة مميتة، قتلتهم قتلًا رحيمًا. يا صغيراي.. يا صغيراي.. أمّكم رحيمة.. يا صغيراي!

صرخت بالأخير قبل أن تصطدم بشاب يهرول مع امرأة فارهة، يمسكها من يدها ويجرّها جرًّا. فانبطحت داليا أرضًا تتأوّه وتعوي، ليس من الخبطة لكن من لهيب الألم النفسي. في حين أن الشاب لم يعر انتباهًا وركض يفتّش عن ملجأ، زقاق مظلم، حانوت مهجور بعيد عن عين الناس.

- ها هو هنالك.

صرخت بها المرأة في تهلُّل وكأنها استقبلت ضالتها، توجّها إلى الزقاق، دخلت مسرعة بخطوات حثيثة تفحص المكان بالداخل، كان آخر الممر حائط يافع، لا توجد عواميد إنارة، بالكاد ترى جسدها الممتلئ.. ووجههُ الأبيض. تمشّى الشاب بنظره في الشارع نظرة أخيرة فلم يجد إلّا الخراب والنيران وشذرات زجاج السيارات تجتاح الطرقات، فدخل بعد أن تأكّد بأن الجو مستتب، ولا معكر لصفوه. قبضت عليه من معصمه وشدّته إليها في لهفة، فدفعها إلى الحائط، وأخذ يلثم رقبتها بقبلاتٍ، يعلو ويهبط بشفتيه، فشعرت بنرجسيتها وأنانيّته فشاركته اللحظة وقضمت من لماه قبلة طويلة تلذَّذت طعمها، تُحيلها من جانب إلى جانب، توحّدا واستغرق الأمر منهما دقائق حتى انصهروا.

كان العجوز يسير عاريًا بشعره المشعث في خطوات وئيدة، بالقرب من الزقاق الذي استقرَّ به العاشقان تلسع الأجساد بعضها. أطلقها مجلجلة بعدما انحدرت عيناها على الجسدين المسجيين على الأرض في حرمان:
- قلتها لكم مرة.. باب التوبة أطْبق أسنانه ولن يُفتح.. قلتها لكم.. حيييي.. مداااااد يا قيوم.

مشيئة Stories to obsess over. Discover now