"اُنظُر... لقد امتلأتِ الصَّفحاتُ بِذاكرتي وجفَّ حِبرُ قلمي. وهذا هو أوَّلُ فَرقٍ بين ذاكرتي وذاكرتِكم." نظرَ إلى دفترِهِ ببؤس أمَّا الآخَر فأمسكَ الدفترَ مِن يده ورفعه أمامَه "لا أظنُّ أنَّ بيننا فَرقًا كبيرًا... فنحنُ أيضًا حينَ تَثقُلُ رؤوسُنا بِتراكمِ الذِّكريات نَفقدُ بعضَها بينَ الزِّحام. ورُبَّما تأتي لحظاتٌ لا نرغبُ فيها باستعادتِها بل نتمنَّى لو تاهت بعضُ الذِّكرياتِ بينَ طيَّاتِ الأحداث حيثُ لا نصلُ إليها مُجدَّدًا." فتحَ الدفترَ الذي كان يُمسكُه وقلَّبَ صفحاتِهِ بِبُطء لتتغيَّرَ ملامحُ وجهِهِ ويَعقدَ حاجبَيه باستغراب. أغلقَهُ بِهدوء ثمَّ رفعَهُ وضربَ به رأسَ أسرٍ بِخِفَّة وعلى وجهِهِ ابتسامةٌ ساخرة: "وليسَ كلُّ شيءٍ يستحقُّ أن يُكتَب... قِطَّةٌ مرَّت أمامَ بابِكَ، هل تحتاجُ إلى أن تُخلَّدَ هذه اللَّحظة؟" ضحكَ أسرٌ وهو يضعُ يدَهُ فوقَ رأسِهِ مُتحمِّلًا سخريتَهُ المُعتادة. لم يكن يراهُ مُجرَّدَ طبيب بل كان يراهُ الرَّجلَ الذي أعادَهُ مِن حافَّةِ الضَّياع والمُنقذَ الذي أمسكَ بيدِهِ حينَ بدأتْ ذاكرتُهُ تخونُه. كان أكثرَ مِن مُعالِجٍ للذِّكريات... كان حارسًا لها. يحفظُ ما عجزَ أسرٌ عن الاحتفاظِ به ويجمعُ شتاتَ اللَّحظاتِ التي تساقطتْ منه ويقفُ كالحاجزِ الأخيرِ بينَهُ و
More details