بقلم بوفارديا
أتمنى لكم قراءة ممتعة.
* * * * * * * * * * * * * * * * * * *
كان عثمان واقف ينظر نحو حماته، بتلك النظرة الجامدة، رغم أنه من الداخل يود خنقها حتّى الموت، لكنه حارب شياطينه هذهِ المرّة، وامسك اعصابه بينما يقول.
:- أجبرتي وجد على هذا الزواج؟.
:- انت تعرف كم تخطيت الحدود معي!، لكن انت اخبرني، هل هذا ما قالته وجد؟، قالت أنني أجبرتها؟.
ابتسم، تظن نفسها ذكية!، بالطبع ابنتها لن تعترف عليها.
:- ماذا كان اسم الرجل الذي اكتشفتي أنه يحب وجد؟، صحيح اعطيته درس لن ينساه مدى الحياة، لكنني لم احتفظ باسمه، امّا انتِ فبارعة في حفظ أسماء ضحاياكِ.
كزت على اسنانها، ومن انقباض يديها كان واضح مقدار الغضب الذي كانت تحشده داخلها.
:- ظننتك رجل جيد لتتحمل مسؤولية ان تكون زوج جيد لوجد، لكن يبدو أنني اخطأت الحكم للمرة الأولى.
:- زوج جيد؟!، سيدة سلطانة عليكِ فحص نظركِ جيدًا، ومدى سدادة عقلكِ وحكمته، أنتِ تعرفين ماذا أكون، كنتِ مساركة مع الجميع أيضًا لمحاولة خداعي أن الزواج لم يكن من وجد.
ارتفع حاجبيها، بدت نافذة الصبر، تتعرق من سوء المحادثة وما آلت إليه.
:- اتهاماتك لا صحة لها، وإذا كان تواجد وجد معك يضايقك لهذهِ الدرجة، فبيت عائلتها أولى بها من بيتك.
:- انت تحبين التلاعب بالكلمات لتكون لكِ اليد العليا؟، لكنني لن افعل كما فعلتِ في محاولتكِ للتخلص منها.
* * * * * * * * * * *
منذُ عودتهم من القرية ووجد أكثر إنطوائًا على نفسها، لم تكن تتكلم حتّى، صحيح أن العلاقة بينهما كانت متوترة منذُ بدايتها، لكنها كانت تتحدث على الأقل، كانت تشارك، كانت تتجول في الشقّة ومن حوله حين يعمل في صالة الجلوس على حاسوبه.
اغلق حاسوبه، ودفعه نحو الطاولة، ثمّ استقام من مكانه واتجه نحو غرفتها، وطرق على بابها، لم ترد، فعاد يطرق مرّة أخرى، وعندما لم يأتي أي رد، فتح الباب ودخل وعينيه تفحص المكان.
وجدها نائمة على السرير، لم تكن نائمة لكنها أيضًا لم تتحرك وهي تنظر إليه، ثمّ تعاود إغلاق عينيها وتحريك رأسها بعيدًا وكذلك جسدها، ليكون ظهرها مقابل للباب.
:- أنتِ لم تخرجي من الغرفة اليوم، هل أنتِ مريضة؟.
لم ترد، تضايق من تجاهلها، لكنّ قلقه كان أكبر، واتجه نحو السرير، ثمّ مد يده نحو وجهها يفحص حرارتها بيده.
ابعدت وجهها وصوتها خرج ضعيف متحشرج.
:- ماذا تفعل!؟.
:- حرارتكِ مرتفعة، سنذهب للطبيبة، هيّا.
هزّت رأسها نفيًا بقوّة.
:- طبيبة!، مستحيل، لن أذهب.
ضاق حاجبيه،ثم قال لها بتزمت.
:- لا تتصرفي كالأطفال، أنتِ مريضة ويجب عليكِ زيارة الطبيب.
:- لن أذهب!.
رفع كتفيه.
:- حسنًا، إبقِ هنا، وأنا سأحضر الطبيبة.
عندما التفت، أسرعت بإمساك يده موقفة إياه، مما جعله ينظر إليها بتعجب وهي تقول بإحراج.
:- أرجوك لا تفعل!، أنا أخاف من الأطباء.
ارتفع حاجبيه ينظر إليها للحظات بدهشة، بشرتها البيضاء متوهجة من ارتفاع حرارة جسدها، بينما العيون الخضراء ذابلة من التعب، وشعرها القصير ملتف حول وجهها لكثرة تقلبها في السرير، كانت تبدو صغيرة جدًا بتلك الهيئة، حتّى استوعب عثمان أنها صغيرة، كانت طفلة!، زوجته الصغيرة.
:- إذا كان هذا ما تريدين.
قال باستسلام، ثم أكمل.
:- هناك بعض الأدوية في خزانة الحمّام، لكن يجب أن نخفض حرارة جسدك أولًا.
اخذها للحمّام، يحملها بين ذراعيه، وهي لم تكن لديها طاقة، كانت من حزنها قد مرضت، من المشاجرة الأخيرة التي حدثت في منزل عائلتها، بين عثمان وعائلتها، جعلتها تنطوي أكثر، وتحزن أكثر، وجد لم تكن تحتمل الحزن، على الفور يتأثر جسدها من حالتها النفسية.
ترتفع حرارتها، توهن قواها، ارهاق والتهاب في القصبات، كلهم يهاجموها دفعة واحدة.
خلع عنها ملابسها، ووضعها أسفل مضخّة الماء، وشهقت بفزع حين فتح الماء على جسدها، فبدأت تتخبط وهي تهتف بأنفاس منقطعة.
:- بااارد!! ، عثمان!.
:- سيزول، خذي نفس.
تشبّثت بيديه وقد زادت عليها أعراض الحمّى حتّى وهي أسفل انهمار المياه الباردة، كان جسدها يتوهج بالحمرة وقواها واهنة.
جفف لها جسدها، ألبسها ملابسها، وأجلسها على الأريكة بالقرب منه وجفف لها شعرها وسرّحه، ثمّ أعطاها الدواء بعدما اجبرها على تناول الطعام، كلّ ذلك والصمت بينهما لا ينكسر.
كان قد وضع فوقها الغطاء بينما عاد لعمله الذي لا تعرف عنه شيء، سوى أنه يقضي جُل وقته يعمل، كيف يمكن للشخص أن يحتمل أن لا يستريح!، يعود من العمل بعد العصر، ثمّ بعد صنعه الطعام لكليهما، يعود مرّة أخرى للعمل في المنزل لساعات طويلة أمام حاسوبه دون توقف، إلّا لصنع القهوة.
:- ما هو عملك؟.
عينيه تحركت من شاشة الحاسوب إليها، فتوترت من نظرته، للحظة بقي ينظر لوجهها، قبل أن يقول ولم تختفي دهشته لسؤالها في إجابته.
:- عقارات.
:- كنتُ أظن أن عمّي لديه معمل في مواد البناء!.
:- خرجت من المعمل منذُ مدّة، بدأتُ في عملي الخاص.
:- على الحاسوب؟.
ابتسم هذهِ المرّة، ثمّ أعاد نظره لشاشة الحاسوب.
:- لدي عملين، أنا مبرمج أيضًا.
ارتفع حاجبيها بدهشة ،ثمّ قالت ضاحكة.
:- أنت تفاجئني!.
عينيه أمسكت بنظرتها، وسرقت أنفاسها تلك النظرة وهو يقول بنبرة ذات معنى.
:- لم تري من مفاجئاتي الكثير.
:- نعم، هل ستريني؟.
بقيت النظرات مأسورة ببعضها بينما تقترب منه، وتبعد الحاسوب، وتغمض عينيها حين التفت يديه حولها ورأسها على كتفه.
:- لماذا تبكين؟.
سألها يرفع وجهها الذي كانت تحاول إخفاءه، فبدأت تحاول إبعاد وجهها وتعيده لكتفه وهي تتمتم.
:- لا شيء، إنها الهرمونات.
:- وجد! ، قولي.
:- دعني أنام.
همست ووجهها على كتفه بالقرب من رقبته، بينما ذراعيه حول جسدها الصغير المتكور في حضنه، لماذا تفعل هذا!، تحاول الدخول إلى دائرته التي أغلق فيها على نفسه!، تهاجم وحدانيته التي لطالما نأى بها عن الجميع، ولم يدخل إليه أحد أو يسحبه من ثقبه الأسود المظلم!.
حتّى في مرضها تجره ليكون معها، ليحميها، يداويها، يطعمها، يمسح بكاءها، وكأن وحوشه تهدأ حين ترى ذلك الوجه البريئ المنمش، بالعيون الخضراء، والشعر الذي قصّته تمرّدًا وشراسة أمام ثوران بركانه الهائج.
اغمض عينيه فقط في محاولة ليريح أعصابه المشدودة، لم يعتاد على أن يكون هناك أحد قريب منه لهذهِ الدرجة، فكيف بأحضانه!، لكنها كانت مريضة ولم يرغب في إيقاظها وإبعادها عنه كل البعد، كان أذاه الداخلي يزداد كلما حاول أحد لمسه.
ولا يريد أن يتكرر المشهد بينهما كما حدث حين حاولت فك أزرار قميصه، فانسحب، وتركها لوحدها في الغرفة في وسط الموجة العاطفية، لأنه لم يستطع أن يتركها تلمسه!، وكأنه حياة الطفولة تُعاد مرّة أخرى وتوقظ كل الوحوش والكوابيس التي صنعت منه رجل لا أحد يتعامل معه، رجل مصاب بالعقد النفسية.
لكنه لم يشعر حين سقط من التعب إلى النوم على الأريكة ووجد بحضنه نائمة وذراعيها حول وسطه بينما رأسها عند كتفه....
كل الظروف التي واجهت كليهما، لكن لازال لدى تلك الصغيرة، ذات الثمانية عشر عامًا، ومازالت على الأعتاب، التحدي والشجاعة للخوض في المعارك لتعيش مع الرجل الذي كان من نصيبها، ليخلّصها من جنون والدتها التي كادت تجعلها تصاب بالجنون.
* * * * * * * * * * * * * * * *
:- يجب أن تدخل لعروسك، هل تريد من الناس أن تتحدث عن شيخ بني خالد، الذي ترك عروسه تنتظر، وذهب لأنه لا يستطيع أن يتقبل إلا ابنة جبران كزوجة له!، تريد من الناس أن تلوك ألسنتها بالتحدث عنك يا جبّار؟!.
يدخن السيجارة تلو الأخرى، كلما انتهت واحدة يقذفها، ويبدأ في إشعال الأخرى بينما هو واقف في الخارج، وقد هدأ كل شيء في المكان، وانتهى أي أثر للزفاف، بعدما ذهب العمّال منذُ دقائق ساحبين معهم كل ما تمّ تزيينه من أضواء ومقاعد وزينة ملئت الساحة الداخلية لمنزل جبّار، بينما الشيخ عبدالله، وقف بالقرب من حفيده على عكّازه وطرق بها على الأرضية من لا مبالاة جبّار وهو يصر على أسنانه ويقول بسخط غاضب.
:- الفتاة التي تركتها بالداخل تكون حفيدتي، هل تفهم!.
التفت إليه جبّار وعينيه لا مبالية تزيد من غضب الشيخ.
:- خذها إذا كان الأمر يهمك.
:- جبّار! ، ما هي مشكلتك بالضبط!!؟.
:- عد لبيتك شيخ عبدالله، سائقك ينتظرك في الخارج، مهما حاولت سأبقى أنا جبار بن الحداد، ابي الرجل البسيط عامل الحدادة، ولن أتركك تستعملني وتستغلني كما فعلت بأبي، حين زوجته بابنتك العاهرة.
اللكمة التي أتت على فك جبّار كانت قوية لدرجة تدعو للدهشة، من رجل كبير بمثل عمر الشيخ عبدالله، الذي دفع صدر جبار بعكازه، ولم يستوعب أثر اللكمة بعد، حيثُ مزّقت طرق شفتيه وبدأت تنزف.
:- مهما فعلت ابنتي، تبقى ابنتي، بنت شيوخ، ولن أسمح لشخص مثلك بالتحدث عنها بهذهِ الطريقة الوضيعة.
ضحك جبّار يهز رأسه.
:- شخص مثلي!، بالتأكيد، لديك كل الحق، أنا لا يمكنني أن أبقي ابنة جبران كزوجة لي، لكن ابنتك يمكنها ان تفتح ساقيها لابن السلاطين!.
هذهِ المرّة أوقف جبّار اللكمة قبل أن تصل لفكه، قبض على يد الشيخ عبدالله من المعصم، ونظر في وجهه القريب، ثمّ قال.
:- لا تستطيع تغيير حقيقة أن ابنتك كانت عاهرة عند ابن السلاطين، وأيضًا لن تمنعني من أخذ ثأر ابن أختي، سأحرق بني صخر وقريتهم، وقوانينك لا أخضع لها، أنا لا يهمني أحد، وأنت في المقام الأول.
:- إنك تقلل أدبك على جدك!.
:- جدّي!، عندما لم تعترف بنا، حتّى بلغت الخامسة والثلاثين، الآن تعترف!، لكنني أنا الآن لا أعترف بك، أنا لا أريد أي شيء يخصني بك، لا يمكنني إلّا أن أخضع لواقع أن ابنتك تكون أمي، غير ذلك، محال.
تصلبت ملامح الجد، واخفض رأسه، وقال قبل أن يذهب.
:- إعتني بحفيدتي جيدًا.
لم يرد عليه بقي في مكانه متجاهل لوجوده، ينظر أمامه، يده في أحد جيوب بنطاله، يقبض على الصورة، صورتها داخل راحة يده، ثمّ ببطء أخرجها من جيبه، ونظر إليها، نظر إليها طويلًا، لا يتوقف عن التدخين، مسح على الصورة، كانت تلك الصورة لها، التقطها هو في غفلة عنها، كانت تلك هي أجمل ليلة يعيشانها سويًّا.
كانت تحاول إزعاجه بينما تحاول دغدغته، فينظر إليها شرزًا فتنفجر بالضحك وتسخر.
:- لا تكن وحش!، هيّا اضحك.
:- ها ها ها.
يقول ذلك بملامح باردة، فتدفعه بقبضتها بغيظ.
:- مزعج.
ثمّ على حين غرّة يبدأ هو في سحبها ودغدغتها فتنفجر بالضحك، وهي تحاول التخلص من يديه، حينها التقط لها الصورة، كانت الدموع تسيل من عينيها، وشعرها ملتف بعشوائية حول وجهها كأنه شلّال من حركاتها.
:- أنت تعذّب نفسك.
التفت للخلف حين أتى صوت خديجة، فوجدها واقفة قريبة تنظر إليه، أشاح بوجهه وأعاد الصورة لجيبه يخفيها وهو يقول.
:- الوقت متأخر، لماذا لم تنامي؟.
:- كنتُ أتحدث مع جمان على الهاتف.
التفت على الفور، يسأل.
:- جمان!.
:- دعك من جمان، عروسك في الداخل، لقد ذهبتُ إليها للتو، وسألت عنك.
:- خديجة، لا تجعليني اُجن، متى تحدثتي مع جمان؟، اعطني رقمها.
:- لا أستطيع، جبار....
انقطع كلامها، عندما سحب منها الهاتف الذي حاولت إخفاءه، وبدأت تحاول سحبه وهي ترجو.
:- جبار أرجوك، لقد وعدتها!.
رمقها بنظرة حادة وهو يقول.
:- اذهبي للداخل، هيّا.
عقدت حاجبيها قبل أن تقول بغيظ وانزعاج.
:- متجبر!.
والتفتت تعود ادراجها للبيت، بينما هو عرف الرقم الأخير، لم يكن مسجل، وعلى الفور اتصل بها ووقف ينتظر إجابتها، كل شيء داخله يريد إعادة الكرّة، أخذها مرّة أخرى عنوة، وأن ينسى كل الأحداث التي صارت بينهما، كل ذلك يذهب، ويعودون لليوم الذي كان قبل اقتحام اخيها منزله وأخذها عنوة.
:- هلا ، خدخد.
:- أهلًا جماني.
سارع يقول.
:- لا تحاولي إغلاق الخط.
:- ما كان يجب أن أثق بها مرّة أخرى بعدما حدث في المطعم.
اعترف.
:- لقد اخذته منها بالإجبار.
:- مثل عادتك.
:- نعم، مثل عادتي.
:- تزوجت إذًا.
نبرتها فيها غصة بالكاد أمسكتها لئلا تنفجر عبر الهاتف.
:- تنتظرني في الداخل.
:- على نفس السرير؟.
سألت، فأجابها.
:- نعم.
:- لماذا؟.
عاد يشعل سيجارة أخرى وصوتها يفعل العجب العجاب فيه، يمشي مثل الدم في عروقه.
:- إنه الثأر، لا يموت، لن تقبلي أن تكوني عندي وبندقيتي على ابناء عمّك.
:- الوحوش لا تعرف الحب، مقولة أنت قلتها وصدّقتها بأفعالك.
:- الوحوش تعرف الحب يا جماني، لكنها لا تعرف كيفية الحفاظ على من تحبّ.
:- لن أسامحك على ما فعلته بي، لن أغفر، سأدعو الله في كل صلاة، أن تذوق مرارة الألم للباقي من حياتك.
اغمض عينيه.
:- إذا كان الدعاء منكِ، أنا راضٍ به.
ضغط على أسنانه عندما وصله محاولاتها لكتم بكاءها.
:- جماني! ، أنتِ وحيدة قلبي، لو تزوجتُ جميع نساء الأرض، أنتِ وحدكِ من أريد.
:- سأتزوج لأجعلك تعرف معنى هذا الشعور.
قالت بعدائية متألمة فأجابها.
:- سأقتلكِ لو فعلتي.
:- أكرهك.
ابتسم، يسمع صوتها، ففط سماع صوتها يفعل به العجب العجاب!، مستعد لأن يقيم حربًا من أجلها، لكنها ترفض أن تعود إليه، ترفض أن يكون هناك لقاء آخر، وأن تعطي فرصة لتولد قصتهم من داخل الثارات والعداوات.
:- جماني.
:- لو لمستها، لو فعلت ذلك، انا... هل ستفعل؟.
كانت نبرتها مرتجفة وهي تسأله، فضغط على الهاتف وهو يقول.
:- إنها زوجتي، ألا تريدين منّي أن أفعل؟.
:- لن يكون هناك أنا وأنت أبدًا، سأكرهك، سأنتقم منك، سأحرق قلبك بالمثل وأتزوج، ولن تستطيع أن توقفني ابدًا.
صمت قليلًا، كان يدخن سيجارته وينفثها ويصلها هذا الصوت، ثمّ قال فجأة.
:- سأفعل بكِ كما فعلت بأمي، ولن تحبي ذلك أبدًا.
عندما لم ترد، أكمل.
:- لا أحد يقف أمامي يا جماني، أنام معكِ للمرّة الأخيرة، ثمّ أحظر سكيني، وأقطّعكِ كل قطعة على حدا، وأدفنكِ بالقرب منّي لأستشعر وجودك بالقرب منّي على الدوام، امّا من يتجرأ على الزواج منكِ ولمسكِ، سأفعل جريمة لم أفعلها بضحاياي السابقة...
كانت بالفعل صامتة، والمكالمة لا تزال جارية. رغم ذلك، إذًا كانت تسمعه.
:- أحرقه حيًّا،وأتلذذ بسماع صراخه، حتّى تغادر أنفسها الجسد.
همست بعد صمت طال.
:- اذهب إليها.
عادت تقول مرّة أخرى وحشرجة خنقت أحبالها الصوتية.
:- وعدتني أن تقهرني!، أن تتزوج وفعلتها، وعدتني أن تجعلني على اتصال لأسمع ما يجري بينكما، وها أنا هنا، هيّا افعل ذلك، هيّا.
اغمض عينيه، وضغط على الهاتف، اللعنة عليها، لو كانت أمامه الآن، لو كانت تقف هنا وتتحداه بهذهِ الكلمات، لمزّقها بأسنانه، ثمّ ضمّها لقلبه، كيف فعلت به كل هذا دون أن يشعر!!، أن يحبها لدرجة الجنون!.
:- جماني.
بكت.
:- لا تقل جماني!، لا تجرؤ على ذلك، لقد حطمت قلبي، لن أسامحك على ما فعلته، ابدًا.
:- كان يجب أن يحدث، سأرسل جدّي لأخيكِ في الغد، من أجل عودتكِ لي.
نطقت بغير تصديق.
:- لابد أنك مجنون!.
:- يجب أن تعودي، أو سأضطر أن أعود وحش بني خالد مرّة أخرى.
:- ماذا تقصد؟!.
بدأ يمشي بالفعل باتجاه المنزل وهو يجيبها.
:- تعرفين ما أقصد، لن تتوقف الدماء، سأقتل كل من يقف في طريقي، كما فعلوا بغسّان،سأفعل بهم جميعًا.
:- تساومني مجددًا؟.
ابتسم.
:- أنا لازلت وحش، ألا تذكرين؟.
:- جبّار هل تكرهني وتحتقرني لهذهِ الدرجة؟!.
:- لا، بل أعشقكِ.
انفعلت.
:- انت كاذب، ومخادع أيضًا، تحبّني وتستمتع بتشويه سمعتي!، أنا متأكدة لو قاموا بفحصك، سيجدون أنك في مرحلة متقدمة من الجنون.
:- لا بأس، يسعدني هذا الجنون.
فتح باب الغرفة، والهاتف على أذنه، بينما العروس الجالسة التفتت بتوتر نحو الباب، قال وهو يغلق باب الغرفة خلفه.
:- أهلًا بحفيدة الشيخ عبدالله.
الهاتف ما يزال على اذنه، يستمع لتنفس جمان الخشن، بينما العروس تقف مكانها وتضغط على يديها بتوتر، ابعد جبّار الهاتف عن أذنه، وفتح السمّاعة الخارجية، ثمّ قال للعروس.
:- ألقي السلام على زوجتي الأولى.
ارتفعت عينيها المزينة بالكحل لوجهه والدموع تملئها، فكرر بوجه حاد الملامح.
:- تحدّثي!.
:- مـ.. مـر..ححبًا، جـ.. جــمـان.
أتى صوت جمان.
:- انت.... يا اللهي، كم أنت سيء!.
:- أعلم، إذًا هل فكرتي جيدًا بالقرار؟، نعم أم لا؟.
:- شهرين وستوافق المحكمة على قضية الخُلع، وسأجعلك تذوق من نفس الكأس، سأتزوج من رجل يحترمني، ويقدر قيمتي، لأنني ابنة شيخ القبيلة.
واغلقت الخط، لتترك من جبّار وحش هائج، جعل العروس الصغيرة تنكمش على نفسها بذعر من موجة الجنون التي اصابته، وقد بدا هائج جدًا بينما يدفع الهاتف على الحائط بعصبية، ويجعله يتناثر في المكان بعدما ارتد بقوّة على الحائط.
نظر إليها عندما وجدها تدخل في نوبة بكاء، ثمّ عادت له ذكرى جمان في الفستان الأبيض، ذلك اليوم، كم بدت جميلة وهي فيه.
وقف أمامها فارتعش فمها بذعر، وقالت بنبرة مرتجفة.
:- أرجوك... لا تؤذيني!.
* * * * * * * * * * * * * * * * *
:- خلص، عنجد خلص!.
كان قد طفح الكيل بالنسبة لسوار وهي ترى جمان بهذا الحال، قالت بصوت منخفض لئلا تسمع والدتها التي كانت لا تقف في مكانها وهي تدور في المكان وتجهز التحضيرات لحفلة الحناء.
:- ألا ترين نفسكِ جمان!، انسيه، انسي ذلك الرجل، يتوعد بالإنتقام ولا تزالين تفكرين فيه!، حقًا لا أصدقكِ.
:- دعيني وشأني!، ارجوكِ سوار!.
عادت جمان تسند رأسها على الأريكة، وتغمض عينيها ، وشعرها ينسدل على الأريكة حتّى يلوح للأسفل ويلامس الأرض، بينما وجنتيها اللتين كانتا سابقًا يظهران غمازتين، الآن تجوف وجهها من النحافة.
:- سلام.
تظهر وجد من الباب الزجاجي الواسع لغرفة الجلوس، بيديها حقائب ورقية، واقتربت تضعهم فوق الطاولة وتبدأ في خلع عبائتها وحجابها الأسود وهي تقول.
:- لا تقولا بأنكما أكلتما؟.
قالت سوار وهي تنظر داخل الأكياس.
:- لا، يا سلام، أحضرتي بيتزا؟.
:- بالفطر والجبنة المدخنة كما تحبينها، ولجمان بالذرة والصلصة الإيطالية.
كانت وجد تحاول التصرف بطبيعية، بعدما حدث في المرّة الماضية بين والدتها وعثمان وانهيارها هي تحت الضغط.
تجلست جمان، ونظرت الأختين لبعضهما البعض، فأشاحت جمان بوجهها دون محاولة للتحدث، بينما وجد اقتربت من الأكياس، وقالت بابتسامة لم تستطع كبحها.
:- هنا الفستان الذي اشتراه لي عثمان من أجل الحفل.
اخذت سوار يد وجد وسحبتها قائلة.
:- اجلسي بجانبي.
عندما فعلت كذلك، سألتها سوار.
:- هل أنتِ مرتاحة مع عثمان حقًّا؟.
نقلت وجد أنظارها بين أختيها، ثمّ عادت تنظر لسوار وهي تقول.
:- هل تعرفين أن هذا السؤال العاشر الذي سألتيه لي منذُ تزوجت؟، وسأقول مثل كل مرّة، أنا سعيدة، سعيدة جدًّا مع عثمان.
احتضنت سوار أختها الصغرى إليها وهي تخبرها.
:- وأنا دومًا أعيد السؤال لأطمئن عليكِ أكثر، أنتِ صغيرتنا، ومحبوبة أبي، أنتِ بهجة عائلتنا ولن نسمح لأن يحزنكِ أي شيء.
:- أوف سوار، ستجعليني أبكي، هيّا دعينا نشغّل دبكة قبل مجيئ معاوية، شيخ الشيوخ يخاف ان تسمع الجن وتأتي لترقص معنا.
ضحكت سوار، بينما تخرج علبة البيتزا، وتلقي نظرة عليها، عندما وجدتها بالذرة مررتها نحو جمان وهي تقول.
:- لا تصيري كسولة، قومي كلي، ورانا رقص للصبح يلا.
:- وجد.
رفعت وجد رأسها ،وانتبهت لجمان، نادرًا ما كانت جمان تتحدث معها في الفترة الأخيرة، تتجنبها دائمًا ولا تتحدث معها، كلما حاولت وجد خلق محادثة بينهما، تقطعها جمان وتستمر ببرودها اتجاه اختها الصغرى.
:- أنا... انسي الأمر.
بقيت وجد تنظر نحوها في ترددها ذاك، لم تقل أي شيء، لكنها عرفت لماذا جمان تتصرف معها بهذهِ الطريقة، تظن أن وجد ستكرهها وتغار منها، فكانت هي من بدأت بافتعال المشاكل، لئلا يكون لوجد الفرصة لتشعر بالغيرة، لكنها لم تكن تعرف أن تصرفاتها تلك اسوأ بكثير، وأن وجد لم ولن تشعر بأي غيرة اتجاه أختها، حتّى وهي تعرف أن زوجها أحب أختها ولا زال.
:- مهما كان ما تريدين التحدث به معي يا جمان، أنا لستُ غاضبة ولا حتّى مستاءة من تصرفكِ، لكن.. أتمنى منكِ، ألّا تسخرين من عثمان، هو لا يستحق ذلك الكلام الذي تقولونه، إنه شخص جيد.
التفتت وجد عندما سمعت الخطوات تدخل للغرفة، كانت والدتها واقفة عند الباب تستمع، فشعرت بالإحراج، ما تزال تخجل من فكرة أنها متزوجة، وتعرف كل أسرار الزوجية التي كانت والدتها حازمة وشديدة الصرامة حول تربيتها وانغلاق بناتها عن تلك الثقافة، وكأن ذلك سيمس بأخلاقهن إذا عرفن.
لكن لا أحد يعرف أنها لا تزال جاهلة للكثير، فهي ما تزال عذراء مع زوج يُحرّمها على نفسه!.
:- كل ما نريده، أن تكوني سعيدة بحياتكِ.
قالت وجد لأمها التي اقتربت وهي تخبرها بذلك.
:- أنا سعيدة بالفعل!.
:- ما حدث في المرّة الماضية جعلني أريد إعادة حساباتي من جديد، لقد فكرت فيكِ طوال الوقت، وفكرة أن عثمان يمكن أن يؤذيكِ تجعلني أوبخ نفسي على القرار الغير حكيم في تزويجكِ.
ضاقت أنفاس وجد، وشعرت وكأن يد تحكم قبضتها عليها، لكنها بدأت تدافع بيأس قائلة.
:- لقد تزوجت بالفعل، لا يمكنكِ الآن أن تحاولي إصلاح الأمر، أنتِ دفعتيني لهذا الزواج، فدعيني على الأقل أحاول إنجاحه.
حاولت سوار تغيير مجرى الحديث حتّى لا تحدث مشكلة كالمرة السابقة.
:- هل تم تجهيز كل شيء؟.
ردت والدتها.
:- طاولة الطعام الجانبية لا تزال غير مكتملة، ذهب العامل ليحضر بقيّة الأطعمة.
* * * * * * * * * * * *
حفلة الحناء كانت خاصّة جدًا، ولم يتم دعوة أي أشخاص خارج العائلة، وقد تمّ ترتيبها بالتقاليد الخاصة لهم.
ارتدت سوار فستان تقليدي، مطرز بخيوط ذهبية على أطرافه، والشعر الذهبي تمّ رفعه بتسريحة ناعمة، ليظهر جانب عنقها الرفيع، وجلدها المرمري الناعم، وكانت ترتدي قلادة من الذهب، بها ماس من الزمرّد، الهدية الثمينة التي أهداها لها عريسها، حتّى أن بنات عمومتها وجدن ما يتحدثن عنه في تلك الحفلة.
بدأ الحفل، كل التوتر، وكل القلق الذي كانت تعيشه سوار بين نفسها، قد تلاشى مع تجمّع صديقاتها وأخواتها، وراحت تتمايل في وسطهن، ترقص وتدور وهي تضحك مع الجميع، حتّى أنها سحبت والدتها الواقفة بعيدًا تنظر لبناتها وفي عينيها دموع حبيسة.
:- لا سوار، لن أرقص!.
:- أرجوكِ أرجوكِ أرجوكِ أرجوكِ أرجوكِ أرجوكِ.
وجد الأخرى أتت تسحبها من يدها الأخرى.
:- ماما حبيبتي، أخرجي فيفي عبدو من داخلكِ ودعينا نرى إبداعكِ بالرقص.
اتسعت عيون سلطانة.
:- بلا قلّة أدب، فيفي عبدو!.
ضحكت وجد وهي تقفز لتغيّر الموسيقى، وتضع موسيقى لرقص شرقي، وتبدأ في التمايل باحتراف على أنغامها.
جمان كانت تحاول المشاركة، لكن ما داخلها أكبر من محاولاتها لإخفاءه، نار وتحترق في ضلوعها، ليلة الأمس كانت كالمجنونة، تدور في المكان وهي تتخيل كيف هي ليلة جبّار مع زوجته، هل لمسها!، هل أعجبته!، هل أحبها!، هل قبّل فمها!، هل احتضنها!.
ثمّ تبدأ في الإنهيار، تبكي وتهز جسدها فوق سريرها، تحاول عدم التفكير فيه، لكن يأبى عقلها إلّا أن يعذّبها، وقلبها يتفق عليها كذلك، فيحطموا ما تبقّى منها، وتبدو كالمجنونة وهي في غرفتها، تخشى أن يرى أحد الإنهيار الذي أصابها.
لكن سوار كانت تعرف من النظرة الأولى، فذهبت إلى غرفتها، وأخذتها تحتضنها تحاول تهدأتها، فتنهار جمان أكثر في أحضان أختها.
:- لقد تزوج، لقد فعلها، ماذا أفعل!؟، قلبي يؤلمني بشدّة، أشعر وكأنه سيخرج من صدري، سوار أنا أموت.
أخذتها سوار للحمّام وغسلت لها وجهها، ثمّ جعلتها تتوضأ، وأعطتها إسدال الصلاة وقالت.
:- هناك تستطيعين التحدث والشكوى، حيثُ لا أحد يعرف ولا يسخر أو يشمت أو يذكّرك.
ونامت على سجادة الصلاة، بعدما وضعت رأسها حين انتهت من صلاتها وبقيت تبكي، وهي تتحدث عن جبّار، عن آلامها، وعن حبّها المستحيل.
وجود حفصة أثار استغراب سوار والبقيّة، ففي الفترة الأخيرة قلّ ظهور حفصة في المناسبات العائلية، والكل أشار للعلاقة السيئة التي حصلت بين الإخوة بسبب زواجها من عثمان عندما فُقد جواد.
جائت إلى سوار،وازدادت جمالًا عن آخر مرّة رأتها سوار، قد تكون حفصة من عائلة فقيرة، لكنها تمتلك ملامح وجه ملوكية، وكأنها من عائلة حاكمة، بتلك العيون الواسعة والأنف الدقيق، الفم المرسوم، والقد المناسب لطولها، هل كان جواد يستحق امرأة مثل حفصة؟!.
:- مبارك زواجكِ سوار.
ابتسمت لها سوار ومدت يدها تأخذ الهدية التي قدّمتها حفصة.
:- شكرًا لكِ،لم يكن هناك داعٍ لتكلفي نفسك.
:- ولو، كم سوار لدينا.
ثمّ عادت حفصة للخلف، ما تزال بعيدة عن الجميع، في حضنها ابنتها ماريّا، وتجلس بجانب حماتها أم جواد.
* * * * * * *
بعد نهاية حفلة الحنّاء وذهاب الجميع، وعائلة العم محمود آخر من ذهب، وقد خرجت ليلى متسلّلة من غرفة معاوية، واحمرّ وجهها عندما تصادفت مع جمان في الممر المؤدي لجناح معاوية، التي خفّفت من إحراجها وهي تكمل طريقها لغرفة أخيها، وتطرق على بابه.
:- أدخل.
فتحت جمان الباب، فشاهدت معاوية يحاول مسح فمه، ما يزال بقايا من أحمر شفاه ليلى عالق على شفتيه، وجانب من عنقه.
:- طلبت مني المجيئ؟.
أشار لكرسي قريب.
:- اجلسي، اريد التحدث معكِ.
اقتربت، وحاولت إخفاء ارتجافة يديها بضغطها عليهم، هل عرف بلقائها في جبّار بالمطعم!، هل أخبره الحارس!، هل عرف باتصال جبّار!، حاولت إخفاء ذعرها وهي تسأل.
:- عمَّ تريد التحدّث؟.
:- جمان.
وقف أمامها وقال.
:- جمان، لا أريد منكِ أن تخافي، يجب أن تقولي الحقيقة، لأستطيع التعاون معكِ.
حبست أنفاسها ،تنظر في وجه أخيها، تبحث عن غضب، عصبية، ولم تتحدث بينما يقول.
:- هل تحبين جبّار؟.
اتسعت عينيها، وتوقفت نبضات قلبها، هل يريد إيقاعها في الفخ!، هل يحاول التلاعب بالكلمات!، أم يوقعها في مصيدة الكلام!، لكنّ جمان في هذهِ اللحظة تغلّب كرهها لجبّار على حبّها.
:- لا، لماذا تسأل.
:- سيرسل بعد يومين شيخ قبيلته، وبعض الرجال في محاولة الصلح، تعهّد أن يفعل كل ما هو مطلوب، وأن يصنع لكِ زفاف كما تريدينه، تحضره كل القبائل المحيطة.
تمتمت.
:- جبّار تزوج بالفعل.
ارتفع حاجباه، وعبرت الصدمة ملامح وجهه الشقراء، ثمّ قال.
:- هل تريدين العودة أم لا؟، مجددًا أقول أنا لن أجبر إحداكن على شيء لا تريده، سأصنع من أجلكن المستحيل.
:- هل يمكنني التفكير؟.
:- بالتأكيد، لكِ كلّ الوقت.
هزّت رأسها، وسارعت بالخروج من غرفة أخيها قبل أن تنهار أمامه، ذلك الرجل مجنون، إنه يساومها، يريد إيلامها بشدّة، يحاول كسر كبريائها ويخضعها لقوانينه، إمّا الرضوخ لقوانينه، أو أنه سيؤذي من حولها، كان وحش، ولسوء حظها أحبت هذا الوحش.
عندما دخلت لغرفتها، ذهبت للحمّام لتستحم وتخرج كل الطاقة المؤذية من داخلها، تحاول التخلّص من الألم الذي يسكن قلبها.
وقفت أسفل رذاذ الماء الساخن، وتركت مشاعرها تخرج للسطح وتهاجمها بكلّ قسوة، كيف يمكنه أن يؤلمها بهذهِ الطريقة؟!، لماذا يؤذيها!، كل ذلك كان بمثابة طعنات متتالية على قلب جمان، ولم تستطع نكران الألم، لأن حبّها لجبّار هو ما جعلها تتألم في المقام الأول، لو لم تحبّه لما تأثرت في زواجه، لو لم تحبّه لما تمزّق قلبها من قسوته اتجاه الثارات، وقسوة قلبه وعدم رحمته أمام كل من لا يخضع لقوانينه.
* * * *
:- إذا صرخت سأضع هذهِ السكّين بقلبك، هل تفهم؟.
تلك العيون البريئة كانت مليئة بالخوف والذعر، فهزّ رأسه الصغير، وارتعش فمه عندما كان يحاول منع بكاءه من الظهور، الرجال لا يبكون، هذا ما أخبره به والده، لن يبكي.
لكن سبع سنوات أصغر من إن يتم تغذيته بتلك الكلمات الباردة عن الرجولة!، وأمام إيقاع الوحشية التي يتخذها الرجل ذو الملامح الشرّيرة، ارتجف الصغير وهربت من بين شفتيه شهقة بكاء وهمس.
:- ارجوك، دعني.
ابتسامة صفراء ارتفعت امام وجه الطفل الصغير، وقبضت اليد الكبيرة على ساقيه تمنعه من التحرك، بينما يقول بنبرة شديدة الخشونة.
:- ليس بعد، ليس بعيد يا صغير.
عندما بدأ يتحرّش به، ارتفع صراخ الطفل وازدادة وتيرة بكاءه.
:- اريد أمييي، اتركني ارجوك، ارجووووك.
بدأ يضرب بساقيه الصغيرة بكلّ ما يملك من قوّة، وقد انفلتت ساقه الصغيرة من قبضة ذلك الوحش، وارتطمت على جانب وجهه، مما جعل وحوشه كلها تهيج، ويرفع يده وبكلّ قوّته يصفع الصغير، الذي سقط مغشيًّا عليه على الفور من قوّة الصفعة، التي جعلت رأسه الصغير، يرتدّ على الأرضية القاسية ويدخل في دوّامة سوداء لتبتلعه وتأخذه من الوعي، إلى اللاوعي الشبيه بالموتة الأولى.
عندما فتح عينيه مرّة أخرى، رمش عدّة مرّات، كان رأسه الصغير يؤلمه، أطرافه شديدة البرودة، وما يزال في ظلام دامس، رغم أنه يرمش بعينيه مرات ومرات على أمل أن يرى الضوء، أو أنه خرج من دائرة الكوابيس، لكن لا جدوى، ألم شديد، برد قارص، وظلام دامس.
:- أمي؟، أبي؟.
:- أنا هنا، من الجيد أنك استيقظت، كنتُ قد بدأت أشعر بالملل، تبدو متشبّث بالحياة، فقد ظننت أنك ودّعت الحياة.
الصوت من حوله، لم يستطع تمييزه، لكنه حاول النهوض رغم الألم، ونجح بذلك، لكن كل شيء مظلم حوله، وخوفه يمنعه من التصرف بشجاعة والبحث عن مخرج.
:- سألعب معك لعبة.
لم يتكلم الصغير، بينما الرجل يتحدث باستمتاع، وكأن مرصه النفسي يجعله ينتشي من رؤية خوف الصغير.
:- ستختبئ في مكان، وأنا سأحاول البحث عنك، إذا وجدتك، أنت ستخسر.
بدأت اقدامه الصغيرة تتحرك، ويديه أمامه لئلا يصطدم بشيء يوقعه، وبذعر وجد صندوق خشبي فاختبأ أسفله، وحبس أنفاسه بينما يستمع لصوت الخطوات في المكان، تمشي ببطء ووتيرة تزيد من ذعر الصغير.
:- اختبئ جيدًا، إذا وجدتك سوف تخسر.
كان يتلاعب بعقل الصغير ويزيد من ذعره، ليستطيع سماع حركته، فالخائف يخطئ ويغلط، وكذلك فعل الصغير، فقد سقط ظهره على طرف الصندوق الخشبي، واغمض عينيه بخوف، وبدأت الدموع تسيل، ولم يرى الإبتسامة التي ظهرت على وجه الرجل، ابتسامة شرّيرة.
صرخ صرخة مدوية عندما أمسكت به يديه من العدم، بينما يقول الصوت المخيف.
:- لقد خسرت اللعبة.
تلوّى ،ضرب بيديه وأقدامه، بكى صرخ، لكنه لم يحصل على نتيجة سوى صفعة جعلت وجهه يرتدّ، ثمّ وضعه على الأرض، وكبّل يديه، ثمّ بدأ الإعتداء عليه بوحشية.
صرخ حتّى وكأن حباله الصوتية تقطّعت، لكن الآمال انقطعت، والرجاء من وجود منقذ انطفئ، والاغتصاب الذي تعرّض له، سبب له صدمة، جعلته يصمت، وتخفت كل صرخاته.
وجدت يديه الصغيرة سلاح وقع بجانب رأسه، أثناء محاولة الوحش تكبيله، فأمسك بالسلاح الثقيل على يديه، وسدّده نحو الرجل المستمتع وهو متمدد، ثمّ ضغطت أصابعه على الزناد بكل قوّة، ما ساعده أن لديه قوّة أكبر من جسده الصغير.
وانطلقت الرصاصة تزامنًا مع صرخة قويّة.
شهق بعنف وهو يستيقظ من نومه، يتصبّب بالعرق، وانفاسه متلاحقة، ثمّ نظر للساعة، الرابعة صباحًا، مثل كل مرّة، قُبيل الفجر، يعاد الكابوس الذي عاشه في واقعه، ليذكّره بحجم الألم وكأنه يعيد عليه التجربة ويزيد ألمه كل مرّة، يذيقه مرارة التجربة ويكرّرها.
* * * * * * * * * * * * * * * * * *
#bovardia
اعتذر عن التأخير🥺❤️❤️🫶