الفصل الخامس

3.8K 105 4
                                        


في حين وجد ريان من يحتويه ويمتص شحنات ألمه ويعينه على تحمل هذه النائبة المفجعة، لم يكن راضي محظوظا بما فيه الكفاية للحصول على مثل ذلك! حيث عاد إلى بيته واجما ذا معالم مطفأة يكاد قلبه ينشطر بعد رؤيته لصغيره يتعذب بهذا القدر! فلم يكن يعتقد كون والدته ستصدق بكلامها قبل سنين وتمتنع عن قول الحقيقة، او ينأى عنه أباه ويخبره بكونه ليس طفله! بل استطاع وبجدارة ان يخفي الأمر عنه ويعطيه معاملة الأب التي كان سيفتقدها في كنف راضي! تألم لحسرة ابنه وعذابه الذي تسببت به عاطفته المستيقظة متأخرا، حيث لولا تسرعه لضم ريان إلى شحرى أسرته الصغيرة لما كاد ريان يعرف الدم بدا الدموع من قسوة ما سمع! جلس على طرف السرير يفكر مليا بحال ابنه الآن، كيف هو؟ هل صدق؟ وإن صدق فما جوابه؟ كيف سينظر إلى ضاحي فيما بعد؟ هل سيتقبله كالابن البار أم يقطع به كل الصلات؟ وبينما يدور ويدور مع دوامة أفكاره المؤلمة شعر بفجأة بنغصة مفاجئة اصابت فؤاده ولم تتركه بل ازداد ثقلها عليه ليضع يده على محل قلبه مطلقا آهة عالية اتبعها بوقوعه عن السرير أرضا مغشيا عليه!

عادت الشمس بزيارتها إلى سماء الكوكب من جديد، فتسللت اشعتها عبر النافذة الزجاجية لتداعب رموش رهف الكثيفة فتفتح عينيها ببطء استعدادا للاستيقاظ، لما تنبهت حواسها انتقل بصرها سريعا نحو هذا النائم بجوارها محتضنا خصرها بقوة مانعا إياها عن الحركة، وقد راق له احتضانها وخفف عنه من حدة سياط ألمه كثيرا، ابتسمت بهدوء وهي تحمد الله في سرها على نجاحها بمساعدته للنوم أخيرا، فما عرف بالأمس ليس بالقليل الذي يعينه على نعاس هانئ، فكان لابد من أن يسبقه سيل من العبرات جفف قناته الدمعية من قوته! وكذلك هي فقد أصبحت نصفه الآخر الآن وآلامه صارت آلامها أيضا، فليست المشاطرة بالفرح فقط بل الحزن يسبقه في هذا
قررت أن لا تتحرك وقد وجدت تمسكه بها لئلا يستيقظ من جديد، فقط ظلت تحدق به بنعومة حتى شعرت بوعكة مفاجئة دفعتها دون تردد إلى الانتفاض عن السرير واقفة مما جعل ريان يستفيق إثر حركتها المباغتة بينما هرولت رهف إلى المرحاض كي تستفرغ كل ما تحويه معدتها، ظلت بالداخل قرابة العشر دقائق حتى خرجت وهي تتسند على الحائط لتجد ريان الذي اقترب منها بسرعة قائلا بقلق:
_ مالك يا رهف؟ فيكي إييه؟
أصبحت تستند على صدره قائلة بخمول:
_ اطمن يا ريان مافيش حاجة بس..
ثم أظهرت بطاقة بلاستيكية مستطيلة صغيرة تحوي شريطين باللون الأحمر، لتتسع عينا ريان بصدمة بينما تكمل رهف بحب:
_ باين في ضيف هيشرفنا قريب

شظايا القلق عمت الأجواء حولهما حيث يقفان بالساحة الكبيرة أمام عرفة العمليات بالمشفى، فقد كان ماهر الذي يقف جانب الباب منتظرا خروج أحد المسعفين على أحر من الجمر، فقد دلفوا جميعا لاسعافه دون ان يخرج أحدهم وهو ما أطلق إنذار الهلع بقلبه، يكاد يجن حتما بسبب هذه الوعد الصحية التي أصابت والده على فجأة، حيث استيقظ وزوجه على صوت راضي الذي أطلق صرخة مفزعة يطلب بها النجدة، أسرعا بإسعافه يتمنيا بحفاوة ان لا يكون تأخر الأوان، خرج الطبيب من الغرفة بعدما نزع الكمامة عن وجهه ليقابله ماهر الذي هتف بفزع:
_ اي الأخبار يا دكتور؟
أردف الطبيب معتذرا:
_ للأسف، جاتله جلطة في القلب
أطلقت بسمة شهقة عالية الصوت مفزوعة بينما التفت ماهر إلى الطبيب قائلا بتوجس:
_ ودي جاتله من أي دي؟
_ واضح انه زعل جدا وماهتمش بالدوا في اليوم ده
أسرع ماهر يقول بنبرة حازمة:
_ دكتور اعمل كل اللي تقدر عليه، وأنا من بكرة هنقله مستشفى برة
حرك الطبيب رأسه إلى الجهتين نفيا بينما يقول:
_ مافيش مستشفى هتعمل اللي اكتر من اللي بنعمله يا استاذ ماهر، كل اللي عليكم تدعوله يعدي منها على خير
ثم استأذن وهو يهم بالذهاب قائلا باحترام:
_ بعد إذنكم

لقيطه و لكن بقلم/ اسراء عبدالقادرحيث تعيش القصص. اكتشف الآن