بِدَايةُ المَسِير...

85 15 69


إلى ذاتيَ خائرَةِ القِوى...

" لنْ أبدأَ حديثي بعباراتِ الترحيبِ. فأنا أتقزّز من الرّسميات. وأنتِ تُدركينَ

إنَّني يانفْسي أُقاسي الأفكَار الظّلاميّة الّتي تجُوبُ غيَاباتِ ذِهْني, كما لو أنَّها وحْشٌ يهدِّد كيَاني...

فالأُمورُ تتحوّل من سيّءٍ إلى أسوء بعد وفاة والديّ الشِتاء المنْصرم,  ذلك الشّتاء الذي خُضِّبتْ ثلوجهٌ بالدّماء التي أراقتها القنابل التي أطلقتها الطّائرات, فقد ارتمى أبوايَ صريعيْن لا يُسمع لهما صوتٌ لأن احدى القنابل استهدفتْهُما. الشتاء الذي لم أر بعده ربيعًا أبدًا.

 بعد الحادثة اضطرِرْت للمكوثُ في الملجأ فترةً من الزّمن أحسست خلالها أنني نكرةٌ, وأعتقد أنّ الجميع هنالك أحسّوا مثلي. وعند عودتي إلى القرية وجدت أن أزهار الخشخاش التي يُحمل السّلام على بتلاتها ماعادت موجودة لترحّب بي كما في السّابق, حينها فقط أدركت أن السّلام في عالمنَا قد ووريَ التُّراب.

ولقد وجدت في مكتبة القرية المهشّمة والتي كانت ملجئي الوحيد فيما سبق, كتابًا بدا وكأنّه قد أكل عليه الدّهر وشرب, ولكن مالفت انتباهي أنه كان يحمل عنوان "ديسْتوبيا", وقرأت في أسطر صفحاته الرّثة أن ديسْتوبيا كانت مدينةَ أسطورية حيث يعم الشرُّ والفقر والحروب ويُحتضر السّلام بين يَدي البشر. أما الآن فديستوبيا "تكون" فقد أخرجها طمع البشر وهمجيتهم إلى الواقع وأصبحنا جميعًا محاصَرين داخلها لانبصر من النّور شُعاعًا...

ولديَّ شيٌ بعد, وجدت بين طيّات الكتاب بطاقةً خُطّ عليها:" إن كنت تبحث عن السّعادة, فمتجر السّحر يفتح لك أبوابه- كيم سيوكجين-" وهي مرفقة بخريطةٍ لهذا المتجر. وإني لا أدرك كيف يمكن بيع السعادة, أو ومن هو كيم سيوكجين هذا, لكن ما أدركه هو أنني أريد السّعادة  بشدة, فالأحزان قد أثقلت كاهلي منذ فارقت الأهل والأحباب وذقت مرارة الحرب. ولا أعرف إذا ماوجد حقًّا مكان بهذا الاسم,  لكن أريد أن  تكون لي وجهة لذا أنا متجه نحو السعادة, فإمّا أن أجدها وإما سأموت وأنا أحاول..."

-جونغكوك, التاسع من يوليو عام 2709-

استقيض جونغكوك منزعجا من صرير السّرير الذي بدا وكأنّه يئن من الألم, وهذا سبب له الكوابيس طوال الليل, لكنه لم يعد ينزعج منها فواقعه هو الكابوس الأعظمُ.

اتجه نحو صندوق مغبََرٍّ يحتضن أشياءَ من طفولته الرّاحلة, وانتشل منه حقيبةً اعتاد على حملها عند ذهابه إلى المدرسة عندما كان في الخامسة عشرة أي قبل خمس سنوات, وتفحّصها بأنامله ودسّ فيها متاع رحلته, ثم توجه نحوَ الباب الخشبيٍّ النّتئ الذي يَصِرّ كصاحبه السابق حاملا حقيبته, وخرج ليلقي نظرةً أخيرةً على المكان. وعند التفاته بدا وكأن أشلاءَ القرية وحُطام المباني و أطياف ذكرياته  يناشدونه لكي يرحل بعيدا ويجد مبتغاه, يناشدونه لكي يهرب من ديستوبيا إلى مكان أجمل وأن يكفّ عن النظر إليهم.

 وانطلق في مسيرٍ مجهولِ المُنْتهى مُمنيّا ذاته بسماعِ ترنيمةِ السَّعادة عن قريبٍ...


دِيـسْتُوبِيَـا ||  J.K ] 𝓓𝔂𝓼𝓽𝓸𝓹𝓲𝓪 ]Where stories live. Discover now