حافة العالم

18 2 0

مالك، شاب في الحادية والعشرين من العمر، يدرس الرياضيات في جامعة متواضعة في الولايات المتحدة الأمريكية. ترك مالك بلاده مع والديه عندما كان أصغر من السّن التي تسمح له بتذكّر المكان الذي جاء منه، ولم يقم والديه بإخباره أبداً عن ذاك المكان. كان يعرف فقط أنه عربي، يتحدث العربية الفصحى دون أيّ لهجة أو لكنة تساعده لمعرفة بلاده الأم. مالك كان شخصاً عاديّاً ذا شكل عاديّ، يرتدي ملابسَ عاديّةً ويقوم بأداء أعلى من المتوسط بقليل في الجامعة. المختلف بأمر مالك فقط أنه لم يكفّ عن السؤال قط، ولو كانت أسئلته بديهية لأشخاص آخرين، لم يكن يكتفي بالإجابة المباشرة بل تابع البحث بعدها ليرضي فضوله.

لم يكن مالك جميلاً بالمعايير الأمريكية، طول متوسط، بشرة شاحبة، عيون سوداء تحتها ترهلات سوداء كسواد عينيه. شعره الأسود الكثّ الذي يشير لعربيته بشكل أو بآخر ربما كان الأمر المميز الوحيد في شكله. لطالما ارتدى مالك ملابس مريحة سواء في المنزل أو خارجه، وفي تلك اللحظة التي سقط فيها لم يكن الأمر مختلفاً عن كلّ ليلة أمضاها في منزله، كان يرتدي كنزة قصيرة الأكمام وسروالاً قصيراً فضفاضاً.

لم يمتلك قط صديقة حميمة أو شريكة عاطفية كأقرانه في الجامعة... وفي كل مرة طرح أحدهم هذا الموضوع أمامه كان يتعذّر بشكله، ولكنّه علم تماماً في داخله أن الأمر لا علاقة له بالشكل.

قبل أشهر من تلك السقطة، وأثناء وقوف مالك على حافة شرفته كالمعتاد، لمح خيالاً يدخل لساحة البناء الداخلية المغلقة، لم يرى ذاك الخيال جيداً، وبعد أن دقق النظر بدا واضحاً أن ذاك الخيال شخص، وأن ذاك الشخص يجلس على الأرض، وأنه لا يرتدي ما يكفي من الملابس لتقيه من برودة تلك الليلة.

لم يحالفه الحظ بمعرفة ذاك الشخص من مكان وقوفه، لذا قرر النزول للتحقق من الأمر عن قرب، هبط من حافة شرفته ليعود لشقّته الصغيرة شاقّاً طريقة بين أغراضه المبعثرة في كلّ مكان، نظر للغرفة الوحيدة التي تتكون منها الشقة وهو يفكر في ترتيبها ربما بعد عودته وقبل أن ينام، ولكنّه عرف في قرارة نفسه أنه لن ينظّف شيئاً فيها، بل سيتركها على ما هي عليه لليوم التالي.

ارتدى خفّاً بلاستيكياً صغيراً مرمياً في زاوية غرفته وفتح الباب ليهبط السلالم الداخليّة إلى ساحة البناء.

من غير المحتمل أن شخصاً قرر دخول ساحة البناء الداخلية في مثل هذه الساعة وفي مثل هذا الجوّ البارد إلا لو كان لديه عمل ما، وأراد مالك معرفة ما يقوم به ذاك الشخص، فضول لمجرد الفضول، لا أكثر.

أنار مالك ضوء هاتفه المحمول ليبدأ البحث عن ذاك الخيال الذي رآه من الشرفة. وفي إحدى الزوايا المعتمة في ساحة البناء الداخلية وجد عجوزاً يحتضن أنبوب المياه الدافئة الموجود على أحد الجدران، أوحت ملابسه أنه مشرّد، ربما دخل لساحة البناء بحثاً عن الدفء فقط.

ربما شعر مالك بالقليل من الأسى لحال ذاك الرجل، وربما كانت ردّة فعل مبرمجة في داخله فقط، ولكنّه هرع لشقّته من جديد دون أن يطيل التفكير بالأمر؛ أحضر بطّانيّة سميكة وبعض بقايا التوست الموجودة في البرّاد، وعاد للرجل ليقدمها له.

حاول مالك إجلاس العجوز بشكل مستوٍ بمحاذاة الأنبوب الدافئ، ولفّه بالبطّانية الدافئة بينما اختطف العجوز قطع التوست قبل أن يتاح لمالك تقديمها له. ابتسم مالك وتابعّ لفّه بالبطانيّة إلى أن غطّى كل أجزاء جسده.

بدا للحظات وكان ذاك العجوز أحد الوحوش البريّة التي تعرضها قناة ناشيونال جيوغرافيك، وبينما كان يبتسم مالك لتلك الفكرة الغريبة التي خطرت له، بدأ البرد يأخذ تأثيره على جسده إذ لم يكن يرتدي سوى السروال القصير والكنزة قصيرة الأكمام ذاتها، فدفء الشقة يكفيه عن ارتداء الملابس الدافئة حتى في ليلة باردة كتلك.

أراد مالك الصعود لشقته ليعود لدفئها، أو ربما يرتدي بعض الملابس الثقيلة ويعود من جديد ليجلس بجانب العجوز، وقبل أن يتّخذ قراره في العودة أمسك العجوز بيده بقبضة محكمة، ثبتت ذراع مالك في مكانها وأسرت القشعريرة في جسده.

تجمد مالك في مكانه قليلاً قبل أن ينظر لوجه العجوز من جديد، وبعد أن استجمع جرأته وجد ابتسامة لطيفة جداً على وجه ذاك العجوز أشعرته بأن الكون توقّف للحظات، وأزالت عنه كل هموم الحياة.

أشار العجوز لمالك بالجلوس بجانبه على الطرف الآخر للأنبوب الدافئ، وأعطاه طرفاً من البطّانية ليلفّ فيها قدميه، وجلس الاثنان على تلك الحالة لدقائق بينما أنهى العجوز وجبته الصغيرة.

بدأ العجوز الهزيل الحديث بلكنة إنكليزية غريبة جداً عن لكنة أهالي نيويورك زادت شعور مالك بالغرابة مما يجري في تلك اللحظات، فالملابس الغريبة التي كان يرتديها العجوز لم تكن مهترئة أو قذرة بعد أن دقق مالك فيها، بل كانت قديمة فحسب... وشابهت في الكثير من تفاصيلها الملابس المنتشرة في نهاية القرن التاسع عشر.

شكره العجوز بتلك اللكنة الغريبة، وكأنه يمثّل مشهداً من مسرحيّة كلاسيكية، طأطأ بعدها رأسه باحترام للشاب. وضع مالك يده على كتف العجوز وابتسم قائلاً لا حاجة لشكري، لم أفعل هذا لأتلقى الشكر عليه.

ردّ غريب جداً، وغير ملائم على الأغلب... ولكن في غرابة الموقف ذاك لم يكن مالك قادراً على قول أي شيء آخر.

صمت الاثنان لدقائق أخرى قبل أن يعود العجوز للكلام من جديد ربما عليّ تقديم شيء في المقابل.. وقبل أن يرفض مالك رغبة العجوز، أخرج الرجل كتاباً مهترئاً من تحت معطفه الرثّ، كتاباً قديماً ذا غلاف جلديّ متآكل، بدا وكأنه قُرِأ آلاف المرّات.

فتح الرجل صفحة معلّمةً من الكتاب وبدأ القراءة:


وذاك من يبحث عن معنى الحياة، عليه أن يجوب الكون الأوسع، عليه أن يرى الكائنات، أن يسأل، أن يسير الطريق الطويل. من أراد فهم الكون والسبب من وجوده، عليه أن يستمع لغناء الطبيعة، عليه أن يقرأ الرموز المحفورة في الهواء، وعليه أن يقفز دون خوف من حافة العالم.

وعلى تلك العبارة استيقظ مالك من نومه، محاطاً بالعشب بعد حلم طويل... شعر بالغثيان والدوار وكأنه دار حول العالم بطائرة نفاثة لأسابيع متواصلة... رفع رأسه لينظر حوله بعد أن اعتادت عيناه على رؤية النور، لم يكن قد تزحزح من مكانه من ذاك العالم الغريب. قال في نفسه ساخراً: من كان يعتقد أن حافة العالم أسفل شرفتي تماماً؟

حافة العالم: أخضر قاتماقرأ هذه القصة مجاناً!