نقيقُ الضِّفْدِع

Start from the beginning

كان المكان هادئاً جداً، فلم يقطعِ الصمتَ التامّ سوى أزيزُ خنافس الصيف، أو حفيفٌ خافتٌ للرياح التي قلَّما تهبُّ في مثلِ هذا اليوم الحارّ. كانت هذه ظروفاً مثالية للتأمل، إلا أنَّ فرح لم يجدها مفيدة بما يكفي. "أحتاجُ للهدوء من الداخل أيضاً"، كان هذا ما تبادرَ إلى ذهنه، وهو يحاولُ طردَ صوت والدته الغاضبة من مُخيِّلته. وفي تلك اللحظة تحديداً وصلَ إلى مسامعهِ صوتٌ آخر لم يكُن من وحيِ عقله، بل من الغابة حوله، وكان كافياً لإيقاظِ كلّ حواسِّه وطردَ كلّ فكرة أخرى حاولَ التفكير بها: فقد ذكّره تماماً بما دفعهُ لمغادرة منزله المريح في الصباح الباكر أصلاً، إذ تراءى له صوتُ نقيقِ ضفدع.

تملَّكت فرح نوبة من الحماس بحيثُ أنَّه نهضَ بتسرّع نحوَ كومةٍ من الأعشاب القابعة أمامه، والتي اعتقدَ أنها كانت مصدر النقيق. ولكن النقيق توقّف على الفور، وأما الأعشاب فوجدها خاليةً تماماً من أيّ شيءٍ سوى الخنافس الصغيرة. قضى فرح برهة طويلاً يستكشفُ الأعشاب والنباتات حوله، إلا أنَّ معرفة مكان الضفدع بدت - في الغالب - مستحيلةً الآن. كان هذا تصرفاً سيئاً يخلُو من التخطيط، فقد كان فرح حريصاً فعلاً على رؤية الضفدع، ولو تصرَّف بحذرٍ أكثر لما أضاعَ الفرصة على نفسه.

ولم يُدْرِك فرح سوى في ذلك الحين أن المكان كان مألوفاً له. فقد تراجع قليلاً وأخذ يتأمل الصخرة البيضاء التي اتخذها مقعداً له، ومجموعة الأحراش التي كان يبحثُ فيها عن الضفدع، وشجرة تينٍ إلى يمينه لاحظَ للتوّ أنها مُميَّزة بعلامة حمراء. لا شكَّ بأنَّ هذه واحدةٌ من "محطاتهما" الاستكشافية، هو ووالده، حيثُ كان يأتيانِ في الأوقات الخوالي لإرضاء هوسه بالبحث عن الحيوانات البريَّة. كان والده دائماً يعرفُ كلّ شيء عن أيّ حيوانٍ يقابلانه، رُغم أنه يزعم عدم معرفته سوى القليل. لو كان والده هُنا فلا شكَّ بأنه سيستطيعُ العثور على الضفدع المختبئ. ولكنه ليس هُنا.

كانت للعلامة الحمراء التي ميَّزت الشجرة أهميَّتها أيضاً. فهذا يعني أنها شجرة مُعمِّرة، أي أنها موجودة منذ كان والدهُ طفلاً صغيراً، فقد كان هو وإخوته يضعُون هذه العلامات على الأشجار التي يلعبونَ عندها، أو هذا ما قالهُ لفرح منذ وقتٍ مضى. ولو بحثَ فرح جيداً الآن، فربَّما سيجدُ دليلاً أو إلهاماً ما تركهُ والده في هذا المكان منذ سنينٍ طويلة. بدا الأملُ ضعيفاً، بل أقربَ إلى سندٍ روحيّ منهُ إلى إمكانية العثور على شيء ملموس، ولكنه كان مرهقاً جداً من المشي بحيثُ لم يُمانِع بالتوقّف والتأني في فحصِ كلّ شبرٍ من الشجرة.

انقطعَ فرح عن مهمته في العُثُور على دليلٍ عندما رأى، لدهشته الكبيرة، نقشاً في جذعها. بدتِ الكلمات والأحرف متداخلة وباهتة بعضَ الشيء، كما لو أنَّها كُتِبَت منذ زمنٍ بعيد وأوشك على أن تُمحَى، مع ذلك، كانت قرائتها ممكنةً بشيءٍ من التركيز. "حصنُ علاء ورُبَا".

نقيقُ الضّفدعRead this story for FREE!