كان إيتيوس، في الرابعة عشرة من عمره، بينما كان يتمشى في حديقة قصر كامبيوت برفقة مرضعته. وهو يرتدي ثوب الحداد الأسود، غير أنه لم يكن قد بلغ من العمر ما يكفي ليدرك حقًا معنى موت والده.
– "هذه الزهرة... جميلة. تمامًا كـ... ذاك الشخص."
مدّ يده الصغيرة ليلمسها، لكن ظلاً داكنًا أسدل فجأة ستاره على مجال رؤيته.
استدار إيتيوس ببطء، ليجد رجلاً يقف خلفه.
وقد ارتسمت على وجه ذلك الرجل، الذي وقف يعاكس ضوء السماء الملبدة بالغيوم، ظلالٌ مرعبة تنذر بالسوء.
لم ينبس الرجل ببنت شفة، بل انحنى قليلاً حتى صار على مستوى نظر الفتى المذهول.
ثم حرك شفتيه ببطء قائلاً:
– "عِشْ... صامتًا."
خرج صوته محمّلاً بتهديد خافت، ينضح بالرعب.
إنه دوق إلّيمور. رجل مخيف، يذكّر من ينظر إليه بشجيرات الشوك التي تحجب أزهار الحديقة المتفتحة.
– "وإلا، ستموت لا محالة."
وفجأة، اندلعت ألسنة من اللهب القاني من أقصى قصر كامبيوت، وارتفعت نحو السماء.
ظلّ إيتيوس يحدّق في الدوق بعينين مرتعشتين وجسد متيبّس.
من هناك، من البعيد، كانت صرخات الناس تملأ الأرجاء بوحشية موجعة.
ومنذ تلك اللحظة تحديدًا...
بدأت مشاعر الكراهية، التي لم يعرفها قلبه من قبل قط، تتسلل ببطء إلى أعماقه.
***
جلس إيتيوس القرفصاء وسط الخراب، مستعيدًا في ذاكرته أحداث ذلك اليوم.
رائحة الدخان الخانق، التي تسللت إلى أنفه، لا تزال عالقة في ذهنه حتى الآن.
ذلك الرجل، الذي أمسك بيد عمه وسلبه ما كان من حقه أن يرثه...
دوقية إلّيمور.
وها هو الآن، حتى بعد كل هذا، مضطر للاتكاء على دعم مأوى الفقراء الذي تموله تلك الدوقية نفسها، ليُبقي الثورة قائمة.
"دعني أركّز على الطريق الذي يجب أن أسلكه."
ومع ذلك، حين استبدّ به شعور ثقيل مزعج، عجز عن ابتلاع قطعة الخبز القاسي التي كانت بين يديه، فوضعها جانبًا.
– "إيتي..."
هبّت نسمة هواء، كأنها تحمل معها صوتًا هزّ كيانه فجأة.
ارتجف حاجباه، ثم تمتم بشتيمة خافتة، قبل أن يرفع قطعة الخبز ببطء.
فتح فمه قليلًا، وقضمها.
لسببٍ ما... شعر أن عليه أن يفعل ذلك.
"…."
ظنّ أن الخبز سيكون قاسيًا عسير المضغ، غير أن قشرته المقرمشة أخفت قلبًا طريًا ناعمًا تسلل بسهولة إلى فمه.
كانت رائحة الزبدة المستخدمة فيه طيبة، تدلّ على جودتها العالية.
خبز كهذا يمكن تقديمه في الحفلات دون أن يُحرج أحد، ومع ذلك يُوزّع على فقراء المأوى؟
