البارت الأول : ...... "المطر لا يغسل الدم "

44 3 3
                                        

الخميس، 11:47 مساءً
بلدة "هارولين"، على أطراف الغابة السوداء - الخريف

المطر ينهمر بعنف، يضرب زجاج النوافذ الصغيرة لمنزل آل كراوفورد، كأنه يحاول اقتحامه. الريح كانت تصرخ بين الأشجار العالية، تحمل معها رائحة الطين الرطب، وأصوات الأغصان وهي تتكسر تحت وطأة العاصفة.

في غرفة المعيشة، كانت إليانا كراوفورد جالسة على الأريكة الجلدية الداكنة، ترتدي فستانًا أسود طويلًا يلتصق بجسدها بفعل الرطوبة، وعلى كتفيها شال من الصوف الرمادي. أصابعها الطويلة كانت تعبث بكوب شاي لم تشرب منه منذ أن وُضع أمامها. لم تكن تنظر إلى أي شخص، فقط تحدّق في الفراغ، بعينين رماديتين ساكنتين... ساكنتين أكثر من اللازم.

بقية العائلة اجتمعوا حول المدفأة، ضوء النار البرتقالي يرقص على وجوههم، لكن الجو لم يكن دافئًا كما يجب... شيء ما كان يضغط على المكان، يخنق الهواء، حتى أصوات التنفس بدت ثقيلة.

أصغر إخوتها، لوكاس، كان يرتدي بيجامة قطنية زرقاء، وهو يحاول أن يلتصق بأمه التي كانت منشغلة بطي الغسيل. أما الأب، مايكل كراوفورد، فكان يقلب صفحات جريدة رطبت أطرافها من المطر، لكن نظراته كانت تذهب أحيانًا نحو ابنته الكبرى... نظرات سريعة، حذرة، كأنه يراقب شيئًا يعرفه ولا يريد الاعتراف به.

خارج النافذة، وسط الظلام، كان هناك ظلّ طويل يقف بين الأشجار... لا يتحرك، لا يتأثر بالمطر، وكأن المطر يعبر من خلاله. لكن لا أحد من العائلة لاحظه... إلا إليانا.

ابتسمت، ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى، ثم رفعت نظرها نحو الساعة على الجدار: 11:59 مساءً.

وبينما عقرب الثواني يقترب من الرقم 12، انطفأت الكهرباء فجأة، وغرق المنزل في ظلام دامس. صوت تنفّس بارد، ليس من أحدٍ في الغرفة، همس قرب أذنها:
- حان الوقت... هذه المرة ليس أنتِ.

الظلام كان خانقًا. أصوات المطر بالخارج صارت أعلى، وكأنها تدق على سقف المنزل مثل طبول حرب. من بعيد، لمع البرق، فأضاء الغرفة لثانية واحدة... كانت كافية لرؤية شيء لم يكن موجودًا قبل انقطاع الكهرباء.

عند زاوية الغرفة، على بعد أقل من مترين من المدفأة، وقفت فتاة صغيرة... شعرها مبلل وكأنها خرجت لتوّها من المطر، ثوبها الأبيض ملتصق بجسدها، وعيناها شاحبتان بلا بؤبؤ، تحدّق مباشرة في إليانا.

لم يلاحظها أحد. لا الأم التي ما زالت تلمس الغسيل في الظلام، ولا الأب الذي يبحث عن ولاعة، ولا الأخ الذي التصق بأمه وهو يرتجف.
إليانا فقط... كانت تراها.

لكنها لم تتحرك، لم تصرخ، فقط ابتسمت ابتسامة هادئة، وكأنها تعرف هذه الفتاة... أو كأنها كانت تنتظرها.

- "إليانا؟" جاء صوت الأم، مضطربًا.
- "نعم، ماما."
- "ابقِ مكانك، سأشعل الشموع."

خطوات الأم كانت بطيئة في الظلام، تلمس الأثاث بحذر، حتى وصلت إلى الخزانة الصغيرة. فتحتها، وأخرجت شمعة، وأشعلتها بالولاعة التي وجدها الأب أخيرًا.

𝑵𝒐𝒕 𝒎𝒆 𝒕𝒉𝒊𝒔 𝒕𝒊𝒎𝒆 (لست انا .....هذه المرة)حيث تعيش القصص. اكتشف الآن