استفاقت كفلجيم في ساعة مبكرة من الصباح، لكن جسدها لم يشعر بذلك. كان الهواء في الغرفة بارداً، الرطوبة تتسلّل من الشقوق الضيقة في النافذة، والسماء خارج الزجاج ما تزال رمادية، معلقة بين الليل والنهار. غير أن حرارة غريبة غمرت جسدها، حرارة خفيفة لا تأتي من المدفأة، ولا من الأغطية الثقيلة التي كانت تغطيها، بل من داخلها… من شيء دفين لا تستطيع تسميته.
رفعت الغطاء ببطء، فشعرت بأن أنفاسها أثقل من المعتاد. مرّت يدها على جبينها، كان دافئًا، لزجًا بعض الشيء… فتحت عينيها تمامًا، وحدقت في سقف الغرفة بعينين زائغتين.
لم تكن مريضة. لا شيء يشبه الحمى. لكن الشعور بالدفء الداخلي كان مربكًا، وكأن شيئًا ما يتكوّن في أعماقها دون علمها.
جلست على طرف السرير، واستجمعت شتات أفكارها. صوت خافت من الراديو في غرفة الجلوس، ورائحة قهوة باهتة تلوح في الهواء… لوهلة، خُيّل لها أن الأمور طبيعية. ثم جاءها وجه عمر، كخنجر صغير من خلف الذاكرة، يذكّرها بأن لا شيء عادي بعد الآن.
---
خرجت من غرفتها ببطء، وقد لفت نفسها بشال قطنيّ دافئ. كل شيء في البيت ساكن، كما لو أن الزمن توقف لحظة استيقظت.
دخلت غرفة المعيشة، فوجدت والدتها جالسة على الأريكة، تمسك كوب الشاي بكلتي يديها. التلفاز أمامها مفتوح على قناة الأخبار الصباحية، لكن عينيها كانتا منشغلتين بابنتها.
– "صباح الخير، كفلجيم… تبدين مختلفة اليوم."
توقفت كفلجيم لبرهة، ثم قالت بصوت خافت: – "أشعر بالحرارة… رغم أن الجوّ بارد جداً."
– "حرارة؟" قالت الأم وهي تضع كوبها على الطاولة، "هل تشعرين بوجع في المفاصل؟ صداع؟"
– "لا، لا شيء من ذلك… فقط حرارة… داخلية."
تأملتها الأم لثوانٍ، ثم قالت بنبرة مليئة بالحذر: – "ربما… أعراض سنّ اليأس. في مثل سنّك، تبدأ التغيرات. طبيعي تماماً."
ابتلعت كفلجيم تعليقها. لم تكن تملك يقينًا، لكنها لم تكن مقتنعة. شعرت أن الأمر أعمق من مجرد تغيّر هرمونيّ، وكأن جسدها يهمس بشيء لم تفهمه بعد.
---
في مكانٍ آخر، عند أحد المنحدرات المطلة على البحر، وتحديدًا عند آخر نقطة في الطريق الغابيّ، كانت سيارة عمر تقف معلقة على الحافة، بزاوية خطيرة. الأرض حولها موحلة، أثّرت فيها أمطار الليل، والعجلات الأمامية نصفها غاطس في الوحل، نصفها الآخر متدلٍّ على الهاوية.
الزجاج الجانبي مكسور، وقطرات المطر تجمّعت داخل السيارة. المقود مائل بشكل غير طبيعي، وآثار دم جاف على مسنده، كأن أحدهم حاول أن يتماسك قبل أن يغيب عن الوعي. هاتفه كان هناك، ملقى على المقعد، مشقوق الشاشة، دون إشارة شبكة.
أنت تقرأ
KıvMer ♡
Romanceلا توجد لقاءات عبثية في الحياة ، كل إنسان تصادفه هو إما اختبار أو عقوبة أو هدية من السماء.... ♡
