.
.
توقف جيمين أمام واجهة البوتيك العتيقة تلك التي حفظ تفاصيلها رغم غيابه ترجّل من السيارة بخطوات مترددة ووقف يتأمل الواجهة الزجاجية بصمتٍ مشوب بالحنين أغمض عينيه لثوانٍ وكأن عبق الذكريات قد باغته على حين غرّة فتسللت دمعة دافئة من عينيه وانزلقت على وجنته في هدوء
اقترب من الباب وملمس المقبض بين أنامله أعاد إليه شريط الذكريات .. ذلك اليوم المشرق حين افتتحت والدته البوتيك للمرة الأولى وكم كانت سعيدة فتح الباب ببطء فدوّى صوت الجرس المعلّق كنداءٍ حنون يُعلن عن دخول غائبٍ طال انتظاره
في الداخل كانت كلوي تدير ظهرها للمدخل منشغلة بكتابة شيءٍ خلف الطاولة لم تكن تتوقّع زائرًا ولم تكن تعلم أنّ شيئًا من الماضي سيعود ليطرق باب قلبها مجددًا
استدار جسدها الصغير فجأة نحو الصوت وقالت:
"أهلاً وسهلاً بــ .."
لكن الكلمات انحبست على شفتيها عيناها التقتا بعينَيه ذاك الوجه لم يكن غريبًا كان يبتسم بثقة وفي عينيه ملامح تشبه شخصًا ما .. شخص عرفته قديمًا
اقترب جيمين منها ووقف أمامها مباشرة وصوته انساب كنسمة:
"مضى زمنٌ طويل يا كلوي .. كيف حالكِ؟"
اسمها على لسانه أيقظ شيئًا دفينًا لكنه بدا كطيفٍ يتراقص بين النسيان والدهشة أهو حقًا؟ أين رأته؟ لماذا تشعر بأنها تعرفه حدّ الألم؟
تابع جيمين حديثه بسخرية رقيقة:
"هل ما زلتِ مع ذلك الفتى البائس؟ لا تقلقي .. إن تخلّى عنكِ فأنا ما زلت هنا"
كلماته أعادت لها ذكرى مؤلمة لكنها دافئة كانت تبغضه حينًا لكنها أحبّته كأخ .. واشتاقت إليه بصدق
ابتسم جيمين وأخرج من جيب معطفه صندوقًا صغيرًا فتحه بهدوء فظهر عقد بديع الصنع:
"أتذكرين؟ وعدتكِ ذات يوم أنني سأصنع لكِ عقدًا حين أعود .. وقد عدت وها هو بين يديك"
صمتت كلوي ودمعة بللت رمشها عينها لم تفارق العقد بين يديه كانت تتذكر .. لقد كان يصنعه في الخفاء كان يطلب من جونغكوك أقمشة ناعمة وأحجارًا مميزة وكانت يداه تبذلان جهدًا شغوفًا لأجلها
قالت بصوت متهدّج:
"جيمين .."
وما إن نطقت اسمه حتى لفّت ذراعيها حوله وارتمت في حضنه احتضنها هو الآخر بكل ما أوتي من شوق شعور دافئ غمرهما معًا .. كأن الغياب لم يكن وكأن القلب وجد أخيرًا رفيقه
لكنها سرعان ما لاحظت شيئًا .. بروزًا غريبًا في جسده ابتعدت قليلًا ونظرت نحو بطنه وقد بدا أكبر مما اعتادت رؤيته كادت تسأله لولا صوت كعبٍ عالٍ اخترق السكون
التفت جيمين ناحية السلالم وهناك .. ظهرت والدته أنيقة كما عهدها لكن في وجهها ملامح تعبٍ عميق رفعت بصرها إلى القادم وما إن التقت عيناهما حتى تجمّدت في مكانها
ابتسم لها وعرفته على الفور
"أمّي .." همس بها وركض نحوها
ركضت هي الأخرى كأن الزمن تلاشى واحتضنته بشوقِ أمٍ فقدت فلذة كبدها بكى بين ذراعيها وراح شعره الطويل يلامس كتفها بينما كانت تمرّر يدها فوق رأسه كما كانت تفعل حين كان صغيرًا
"بُني .." قالتها بنبرةٍ لم تحتوِ إلا الحنان
عاد إلى أحضانها حيث الطمأنينة حيث الوطن
في غرفته كان جيمين مستلقيًا في حضن والدته نائمًا كطفلٍ أنهكه البكاء تمرّدت دموعها بصمت وهي تمسح على رأسه وتتفقد معدته المنتفخة قليلًا .. لقد فهمت هو حامل
كانت تعرف حالته .. لكنها لم تفهم بعد كيف حدث ذلك وما الذي مرّ به بقيت تحدق به تنتظر أن يصحو ويحكي أن يُبدّد هذا الغموض أن يروي لها كل شيء
وفي تلك اللحظة لم يكن يعلم أن شيئًا من الفوضى قد انفجر خلفه هناك .. في قصر جونغكوك
••
في القصر كان كل شيء محطمًا الزجاج تناثر على الأرض...
الأثاث مقلوب والهواء مشحون بغضبٍ..
خافت جلس جونغكوك على كرسيه الفخم وقد أسند ساقًا فوق ساق وعيناه تقدحان شررًا نحو الحارس الواقف أمامه يرتجف يرتدي نظرة مذعورة وكأنه سيبلل سرواله من الرعب
قال جونغكوك بهدوءٍ مميت:
"أحقًا تحاول إقناعي أنك ضُربت ثم تركت المفاتيح في السيارة .. ففرّ بها؟"
تلعثم الحارس:
"أ .. أنا آسف سيدي .."
ابتسم جونغكوك ابتسامة باردة وقال:
"لا تعتذر .. فالذنب ليس ذنبك بل ذنبي أنا لأني لم ألحظ التغيّر الذي طرأ عليه .. ولم أتحسب لخيانته"
ثم مال برأسه قليلًا وعيناه لا تزالان كجمرتين:
"أمامك ستون ثانية .. غادر وجهي قبل أن أُنهي أمرك"
غرق المكان في صمتٍ قاتل بينما ظل الغضب يتصاعد من عينيه كبركانٍ هادئ .. لا صوت له لكن الدمار يشهد عليه
نفّذ الحارس الأمر دون تردّد وانطلق جريًا من أمام جونغكوك كما لو أن الموت يلاحقه بقي جونغكوك جالسًا في مكانه عيناه تحدّقان في الفراغ بنظرة صلبة ونفسه يتأرجح بين الغضب والحيرة
اقتربت ماريليا منه بخطوات خجلى تبتلع ندمها بصعوبة ثم قالت بنبرة مختنقة:
"سامحني بني .. أرجوك اغفر لي كنت أرتاب في أمره منذ البدء لكنني تجاهلت قلقي من ذا الذي يشتهي بوتيكًا وهو رجل؟ ما كنتُ إلا حمقاء .."
قالتها بمرارة لكن عقل جونغكوك كان في مكانٍ آخر
"بوتيك؟" تكررت الكلمة في ذهنه ثم انطلقت شرارة في داخله
البوتيك يعرض الإكسسوارات والملابس والعطور وجيمين .. جيمين كان يصنع ملابس وعقودًا بخيوط الشغف
نهض فجأة من مكانه كمن اتّقدت فيه النار توجّه مسرعًا إلى مكتبه وانتزع الملف الخاص بجيمين من الخزانة قلب الأوراق بعينين تائهتين يبحثان عن الحقيقة ها هو الاسم .. والده يعمل محاسبًا في بنك ووالدته تدير بوتيكًا خاصًا
ابتسم بسخرية باهتة لقد عرف إلى أين ذهب
غادر المكتب كالإعصار أخذ مفاتيحه ارتدى سترته واتجه إلى سيارته وجهته واضحة لا تحتاج تفكيرًا كتب العنوان في جهاز الملاحة وانطلق دون تردد وفي داخله وعدٌ لا رجعة فيه:
"حين أصل إليه .. سيكون الحساب ثقيلًا"
••
على الجانب الآخر فتح جيمين عينيه ببطء على صوت أمه الرقيق فوجدها تجلس قربه تحيطه بنظرة دافئة تُخفي وراءها قلقًا دفينًا
قالت بنبرة امتزج فيها العتب بالحنان:
"مرحبًا بك في دارك يا بني .. عاهدني فقط أنك لن تُلقي بنفسك في التيه مرة أخرى أين كنت؟ لماذا اختفيت كل هذا الزمن؟"
بقي جيمين صامتًا لم يعرف من أين يبدأ ولا إن كان عليه أن يفتح هذا الباب أصلًا هل يخبرها أنه كان مُحتجزًا في كابوسٍ لم يختره؟ أم يترك الأمر طيّ الكتمان؟
كان يظن أنه أخيرًا أفلت من براثن الجحيم وأنه قادر على البدء من جديد ..
سيمنح والدته حياة آمنة وسيرمي الطفل في دار أيتام بعد ولادته هكذا قرر ببرودٍ حزين لا مكان لهذا الكائن في مخططه
كانت والدته تتحدث لكنه كان غارقًا في أفكاره شاردًا كأن صوته الداخلي يعلو على كل الأصوات لاحظت شروده فهزّته برفق:
"أين شردتَ جيمين؟"
فأجاب بنبرة واهية:
"لا شيء يا أمّي"
صمتت للحظة ثم همست وعيناها تتأملان انتفاخ بطنه بعينين مرتجفتين:
"جيمين .. هذا الطفل .. لمن يكون؟"
كادت الكلمات أن تخرج من فمه لكن صوت جرس الباب قاطع اللحظة كأن القدر أنقذه من هذا الاعتراف نهضت والدته وهي تتنهد وقد أغلقت البوتيك اليوم ومنحت كلوي إجازة كي تنفرد بابنها وتستعيده من الغياب
وبقي هو هناك جالسًا متسمّرًا .. يفكر في السؤال الذي لم يجب عليه
"ماذا سأقول؟ هل أقدر على الحديث؟"
طال غياب والدته عن الطابق العلوي فنهض بتثاقل ونزل السلالم ببطء يخشى أن ينزلق أو ربما يخشى ما ينتظره في الأسفل
وحين وصل إلى أسفل الدرج رأى بعينيه كابوسه القديم واقفًا .. يتحدّث مع والدته وهي تبتسم له! ذلك الوجه .. تلك العينان كم تمنّى ألا يراهما مجددًا
تجمّدت خطواته فيما التفتت والدته نحوه تبتسم وكأنها اكتشفت أمرًا جميلاً:
"جيمين! زوجك هنا يا عزيزي! لم تخبرني أنك اقترنت بهذا الشاب الوسيم!"
ثم تابعت بفرحٍ لا يشبه حزنه:
"ألهذا غبت عني كل هذا الوقت؟ كنت قلقة أنك تتجنّبني .. لو علمت لما اعترضت قطّ! أقسم سأبارك لكما من قلبي .. لكن لماذا أخفيت عني الأمر؟ ولماذا هجرتني؟"
لكن جيمين لم يكن يسمع كلماتها .. كان يرى فقط وجه جونغكوك ويشعر بجدران مخططاته تنهار داخله
لم يكن جيمين يسمع كلمات والدته لم يكن يرى سوى ذلك الوجه ..
وجه جونغكوك وقد انعكست في عينيه نيران الوعيد بدا ثابتًا في مكانه لكن قلبه يرتجف خوفًا أما جونغكوك فكان يقترب منه ببطءٍ كذئبٍ يبتسم لفريسته قبل أن يغرس أنيابه
"عزيزي .." قال جونغكوك بنبرة رخيمة وهو يفتح ذراعيه "اشتقت إليك كثيرًا لِمَ لم تُخبرني أنك تود زيارة والدتك؟ كنت سأُقلّك بنفسي .. لا تكرّر هذه التصرفات الطائشة عليك أن تفكر بابننا .."
ضمّه بقوة في حضنٍ يبدو للعين دافئًا لكنه كان زنزانةً خفية يتخفّى فيها الخطر
جيمين لم يردّ الحضن كان جسده متيبّسًا مشدوهًا من شدة الخوف في حين كانت والدته تراقب المشهد بقلبٍ مطمئن .. ظنت أنها ترى ابنها يعيش سعادته لكنها لم تكن تعلم أنها تشاهد كابوسه
اقترب جونغكوك أكثر وهمس في أذنه وصوته تقطر منه النذالة:
"حين نصل إلى البيت .. سأريك كيف يكون العقاب لأنك تجرأت على الهرب من خلف ظهري"
اهتزّ جسد جيمين وشحب وجهه حتى كاد يُغمى عليه شعر بضعفٍ يسري في أطرافه لكن جونغكوك أسنده برفقٍ مخادع ثم أمسك يده بإحكام وهمس مجددًا:
"هيا عزيزي .. لنصعد"
وصعدا معًا إلى الطابق العلوي حيث أعدّت السيدة بارك صينية من العصائر والبسكويت سعيدة بلمّة لم تكن تدري أنها مسرح مأساةٍ صامتة
وما إن دخل المطبخ حتى انتفض جيمين فجأة جذب يد والدته وتوسلها بعينين مذعورتين:
"أرجوكِ يا أمي .. اتّصلي بالشرطة"
قالها بصوتٍ خافت متقطع كأنّه يخشى أن يسمعه الهواء
توقفت والدته ونظرت إليه بقلق:
"ولِمَ أفعل ذلك؟"
أجاب بصوتٍ مرتجف كأن الكلمات تخرج من أعماق قلبٍ جريح:
"هذا الشخص يا أمي .. خطفني واحتجزني في قبوٍ مظلم وأجبرني على العيش معه .. لقد اغتصبني بوحشية و اكثر من مرة.. أنا لا أحمل طفلًا من حب بل من لعنة .. أرجوكِ إن ذهبتُ معه سيضربني"
سقطت الكلمات في أذنَي والدته كصاعقة ارتجف جسدها وشحب وجهها أتراها الحقيقة؟ هل ما يقوله ابنها واقعيّ؟ أتكون ضحكته مجرد قناعٍ لإخفاء قسوته؟
ثم .. سمعا صوت جونغكوك يعلو من عند باب المطبخ فاقشعرّ جسد جيمين وانكمش كمن سمع صوت سجّانه التفتت والدته فورًا نحوه والريبة في نظرتها قد بدأت تتشكّل
"هيا عزيزي .."
قال جونغكوك بنبرة ودودة زائفة "لقد تأخر الوقت استمتعت بلقاء والدتك لكن علينا العودة وسنزورها مرة أخرى قريبًا"
مدّ يده إلى جيمين ليسحبه لكن يدًا أخرى أوقفته .. يد ماري والدة جيمين أمسكت بيده الأخرى وبصوت متماسك قالت:
"أرجوك .. ابقوا قليلًا أريد التحدث إلى ابني في أمرٍ خاص هل تسمح؟"
صمت جونغكوك لحظة ثم ابتسم ابتسامة باهتة:
"حسنًا .. بالطبع"
خرج من المطبخ دون أن يغيب عن نبرته انزعاجٌ مكتوم
أسرعت ماري بعد ذلك إلى هاتفها واتصلت بالشرطة وأبلغتهم بما قاله جيمين طمأنوها أنهم سيصلون خلال عشر دقائق فأغلقت الخط وقلبها يضطرب كما لم يحدث من قبل
وبعد خمس دقائق فقط عاد جونغكوك إلى المطبخ بنفاد صبر:
"هيا يا جيمين .. سنذهب الآن"
قالها بنبرة فيها شيء من الضيق .. ونظرة كادت تفضح نواياه
في تلك اللحظة كان القرار على وشك أن يُحسم والعدّ التنازلي للانفجار قد بدأ ..
:
🖤•| 𝐄𝐧𝐝 𝐨𝐟 𝐂𝐡𝐚𝐩𝐭𝐞𝐫 |•🖤
شو تتوقعون رح يصير بالبارت الجاي؟ 👀
جيمين بورطة🥲
اذا شفت تفاعل زي الي قبل
رح انشر بارت ثاني🔥
أنت تقرأ
اِنتـقَٰام | ج.ك
Mystery / Thriller"سأسقيك من نار الجحيم قطرةً قطرة، حتى تتمنى الموت فلا تجده .." "ا اأقسام لك لـ لستُ أنا ! نـ نعم لستُ أنا .. صدقني، مـ ما كنتُ لأفعلهااااا!" •• "هنيئًا لك، يا جيمين .. فأنت الآن تحمل بين احشائك طفلي القادم إلى هذا العالم .." . . جيون جونغكوك x با...
