دُفع الباب الزجاجي بسرعة. لحظة واحدة، وكان كل شيء خلفه… عمر، أنفاسه المتقطعة، لون وجهه الشاحب، جبهته التي تبللت عرقًا، ونظرته الأخيرة التي رماها نحو الفراغ كأنها لا تريد أن تودّع أحدًا. لحظة، ثم أغلق الباب… وبقيت كِفيلجيم وحدها في الخارج، تتلقّى برد الحديد، وهمسات البلاط، وصدى الأجهزة التي لا تعرف الرحمة.
جلست على أول كرسي صادفها دون أن تختار، كأنها لم تعُد تملك حقّ الاختيار في أي شيء. لم يكن في حركاتها ما يشبه امرأة قوية، ولا حتى منهارة. كانت مجرد جسد يبحث عن توازن وسط فوضى لا تُرى. عيناها لا تستقران، تنظر أمامها دون أن ترى، ثم تنظر إلى الأسفل، كأنها تخجل من نفسها، ثم إلى الباب المغلق… كأنها تتوسّل لصوت يطمئنها من الجهة الأخرى.
حين جلس ميتيهان أمامها، لم يتغيّر شيء في ملامحها. لم تنهض، لم تحاول الهروب، لم تتكلّم. نظرت إليه لثانية، ثم أعادت نظرها إلى الأرض. كانت تخاف أن تلتقي عيناهما، ليس لأنها تجهله، بل لأنها تعرف بالضبط ما يوجد خلف تلك النظرة: اتهام، غضب، وجملة من الجروح التي لا يمكنها معالجتها. كيف تشرح لطفل لم تلده، لكنها أحبته، أن ما حدث لم يكن خيانة بقدر ما كان هروبًا؟ كيف تبرّر أن امرأة قد تدمّر بيتًا بيدها فقط لأنها كانت تخشى أن تُترك هي أولًا؟
كل شيء فيها يريد أن يتكلم. قلبها، يديها، ظلها الملقى على الجدار، بل حتى أنفاسها التي تعلو وتهبط، كأنها تكتب فصولًا مكتومة من رواية لم تُقرأ. لكنها تسكت. ليس لأنها لا تعرف ماذا تقول، بل لأنها تعرف أكثر مما يجب. تعرف أن الكلمة في غير وقتها تُذبح، وأن الصراحة لا تكفي حين تتأخر. لذلك، كان صمتها أصدق ما يمكن أن تقدّمه.
من بعيد، رأت جمال يقف مستندًا إلى الجدار. كان يراقبها بهدوء، كعادته. رجل يعرف تمامًا متى يتقدّم ومتى يتراجع. عرفت منذ البداية أنه لا يريد الخير فقط. لكن جزءًا منها، ذلك الجزء الضعيف المتعب، احتاجه في وقتٍ ما. واليوم، كلّ ما تشعر به تجاهه هو الغثيان. غثيان من خيوط العنكبوت التي نسجها حولها، من المجاملة التي كانت فخًا، من الاهتمام الذي لم يكن يومًا بريئًا.
ثم نظرت إلى ميتيهان… الصبي الذي أصبح رجلًا في لمح البصر. ملامحه تحمل من عمر أكثر مما تحمله من والدته الغائبة. شعره المشعث، تعبير وجهه الحاد، ذلك القلق الصامت الذي يشبه عمر في أسوأ لحظاته. كان يشبهه في الانكسار أيضًا، وربما لهذا لم تستطع أن تكلّمه. خافت أن يذكّرها بصوت من كانت يومًا تحبّه.
لكن… هل ما زالت تحبّه؟
السؤال يخيفها أكثر من الجواب. لأن قلبها لا يزال ينبض باسمه، رغم الألم. تحبه؟ نعم، بنعم مرتبكة، بحزن كثير، بندم لا يُحتمل. تحبه لأنه كان أول من لمس خوفها برفق. لأنه الوحيد الذي رآها وهي تنهار… ولم يهرب. لأنها كانت تختبئ بين يديه كما يختبئ الأطفال من العاصفة. فهل تمحى كل تلك الأشياء بجملة واحدة؟ بخيانة واحدة؟ بلحظة ضعف واحدة؟
أنت تقرأ
KıvMer ♡
Romanceلا توجد لقاءات عبثية في الحياة ، كل إنسان تصادفه هو إما اختبار أو عقوبة أو هدية من السماء.... ♡
