Part¹⁰

1.8K 136 99
                                        


                 

.
.




استفاق جيمين ببطء كمن ينتزع نفسه من قبضة حلم ثقيل لا يريد أن ينتهي أول ما شعر به كان البرد يلسع وجنته والضوء الخافت يتسلّل من نافذةٍ لا يعرفها أدار عينيه في الغرفة ..

لم تكن غرفته القديمة التي اعتاد أن يستيقظ فيها كمسجون كانت هذه الغرفة أكبر قليلًا ذات ستائر رمادية ومصباحٍ زجاجيّ يتدلّى من السقف بنعومة بدا كل شيء فيها غريبًا حتى نفسه

جاهد ليعتدل بجسده لكن الألم المباغت أسفل ظهره وبطنه جعله يتأوه بخفوت يعود ليستلقي مرغمًا تنفّسه كان بطيئًا حذِرًا وكأنّ كل نَفَسٍ يُجرّحه من الداخل

ثم وبلُطفٍ مغاير للواقع الذي خرج منه انفتح الباب بهدوء

دخلت ماريليا تحمل صينيةَ طعامٍ عليها وعاء حساء دافئ وقطع فواكه منظّمة بدقة وعناية

ابتسمت له ابتسامة صغيرة حنونة أقرب إلى الاعتذار منها إلى التحية

"صباح الخير يا صغيري .."

وضعَت الصينية على الطاولة وسط الغرفة ثم اقتربت منه برفق حين رأت محاولته الفاشلة للنهوض

"لا تتحرّك كثيرًا سأساعدك"

أسندته بيديها الحانيتين حتى جلس ببطء مسنودًا على وسائدٍ ناعمة وتنهّد جيمين بصوتٍ خافت

قال بصوتٍ مبحوح لم يغادره الخوف تمامًا:

"أنا بخير .. فقط دوار .. وألم خفيف في بطني .."

كان يتحسّس بطنه من دون وعي كأنها حركة غريزية أكثر منها واعية فتألّقت نظرة ماريليا بتفهّم عميق وهي تهز رأسها بلين:

"هذا طبيعي لا تقلق .. ما مررتَ به أمس لم يكن بسيطًا جسدك يحتاج للراحة والجنين أيضًا .. جونغكوك بنفسه أشرف على فحصك قال إنكما بخير فقط عليك أن ترتاح وتتناول طعامك"

لم يجبها جيمين اكتفى بالتحديق في نقطةٍ وهمية على الحائط عيناه شاردتان كأنّ عقله لا يزال عالقًا في الليلة الماضية حيث الألم والذعر يسبحان في عروقه

أرادت أن تخرجه من شروده فربتت على كفه برفق وهمست:

"جونغكوك هو من أحضرك إلى هذه الغرفة .. قال إن غرفتك السابقة لم تعد آمنة أو مناسبة لك ما حدث بالأمس .."

توقّفت عن الكلام كانت تريد أن تخفف لكنها تعلم أن الكلمات لا تمحو ما حُفر في الجسد والذاكرة

ثم عادت إلى الصينية رفعتها واقتربت منه بها تضعها على الطاولة الصغيرة قرب السرير:

"عليك أن تأكل جيمين .. لم تضع شيئًا في فمك منذ وجبة الغداء أمس هذا لا يليق بمن يحمل حياةً في داخله"

هزّ جيمين رأسه ببطء وهمس دون أن يرفع عينيه:

"لا أريد شيئًا .."

وفي تلك اللحظة فُتح الباب مجددًا

دخل جونغكوك

كانت خطواته متردّدة يده ترتجف وصدره يعلو ويهبط بخوفٍ مقموع توقّف عند العتبة حين سمع رفض جيمين كأن الكلمة صفعت قلبه قبل أن تصل إلى أذنيه

أدار جيمين رأسه نحوه لثانيةٍ فقط ثم أشاح بوجهه بسرعة بعينين تمتلئان بالاحتقار

قال جونغكوك بصوتٍ خافتٍ لكنه جازم:

"يجب أن تأكل لن أسمح لك أن تضعف أكثر"

ردّ جيمين وهو لا ينظر إليه بل إلى الحائط مجددًا:

"لا أحد طلب إذنك"

اقترب جونغكوك خطوة فصرخ جيمين فجأة بكلمات هزّت الصمت:

"لا تقترب! لا تلمسني! ألا يكفي ما فعلته؟ ألست أنت من وضعني هنا؟ من جعلني أسيرًا في هذا القصر؟ من رمى بجسدي لكل هذا الألم؟! ألا يكفيك كل هذا؟"

تراجع جونغكوك خطوة إلى الوراء كأن الكلمات قد صفعت وجهه وتجمّد مكانه كانت نظراته تشتعل بالندم لكنه لم ينطق فقط شدّ قبضته بقوة وكأنّه يعاقب نفسه بصمت

أراد أن يقول شيئًا أي شيء لكن صوته لم يسعفه

قالت ماريليا بصوتٍ حازم وهي تنظر إليه:

"جونغكوك أخرجه من هذه الحالة لا بالأوامر .. بل بالحب"

اقترب ببطء رفع الملعقة من الحساء وجلس إلى جانب السرير

"لو تكرهني أقبل ذلك .. لكن لا تكرهه" قالها وهو ينظر إلى بطن جيمين

"هو لا ذنب له .. هو الشيء الوحيد الطاهر الذي خرج من كل هذا .. جيمين أرجوك"

تردّد جيمين قليلًا كانت دموعه تحترق في عينيه لكنه لم يسمح لها بالسقوط أدار وجهه ثم همس بصوتٍ مكسور:

"فقط .. لا تتحدث"

وبحركة بطيئة أخذ الملعقة منه وأدار وجهه قليلًا عن الجميع وبدأ يأكل ..

لقمة بعد أخرى كأنّه يعيد شيئًا من نفسه المنكسرة إلى الحياة

وجونغكوك ظلّ مكانه يراقبه بصمت لم يتحرّك لم يتنفس بعمق .. فقط كان هناك

ينتظر الغفران وإن طال الانتظار دهرًا

اِنتـقَٰام | ج.ك حيث تعيش القصص. اكتشف الآن