منذ أن غادرت كفلجيم حياته، لم يعد عمر كما كان، بل صار كمن يسير بين أنقاض قلبه، يتلمس ما تبقى منه بيدٍ مرتجفة وروحٍ مكسورة. لم يكن الليل كافيًا لينام، ولا النهار كافيًا لينسى. قضى أيامه في صمتٍ ثقيل، لا يتكلم إلا حين يُضطر، ولا يبتسم إلا مجاملة. حتى القهوة التي كان يشربها بشغف، صارت مُرّة أكثر من المعتاد، وكأنها تحاكي مذاق الفقد في داخله. كل شيء من حوله كان جامدًا، موحشًا، حتى تلك النباتات الصغيرة التي كانت كفلجيم تعتني بها عند الشرفة، ذبلت كما ذبل صوته حين ودّعها ذات مساء دون أن يجد الجرأة ليقول: "ابقَي."
كان يتجنب المرايا، لا لشيء، إلا لأنها تردّ عليه بصورة رجل لا يعرفه. رجل فقد كل شيء، ولم يتبقَّ له سوى طيف امرأة، واسمها يرنُّ في صدره كلما تنفّس: كفلجيم.
في مساءٍ رمادي، تغزوه رائحة الشاي البائت وصمت الجدران، دخل "ميتيهان" إلى غرفة والده بخطى حذرة، كأنه يطأ أرضًا مكسوة بالشوك. كان عمر جالسًا إلى الأريكة القديمة، يحمل كتابًا لا يقرأه، ينظر إليه وكأنه ينتظر منه أن يروي له شيئًا لا يستطيع أحد قوله. لم تكن الأيام سهلة عليه، وكان ميتيهان يدرك تمامًا كيف تنخر العزلة قلب والده، وكيف صارت الوحدة رفيقته العنيدة بعد أن خرجت كفلجيم من حياته دون رجعة.
وقف الابن للحظة، ثم جلس إلى جواره وقال بنبرةٍ حاول أن يضفي عليها شيئًا من الدعابة:
> "أتعلم، أبي؟ هناك حفلة الليلة... حفلة عيد ميلاد صغيرة… لحبيبة قلبي."
لم يرد عمر، لكنه رفع حاجبيه في إيماءةٍ خفيفة تفيد التساؤل، دون أن ينطق.
أكمل ميتيهان، وقد بدا عليه شيء من الحرج:
> "أعلم أن هذا ليس وقتك، وأنك تفضل العزلة مؤخرًا، لكن... أود لو ترافقني. ليس لأجلك فقط، بل لأجلي أنا. وجودك يعطيني شعورًا بالأمان… وبصراحة، أفتقدك."
تنهّد عمر ببطء، ثم وضع الكتاب جانبًا كأن الحديث صار أهمّ من أي فكرةٍ في الصفحات. لم يكن في نيّته الخروج، لا مزاجه يسمح بذلك، ولا قلبه تعافى بما يكفي ليخالط الناس، لكن في عيني ابنه، رأى رجاءً لم يستطع تجاهله. بقي صامتًا للحظاتٍ، ثم قال بصوتٍ خافت، فيه انكسارٌ لم يحاول إخفاءه:
> "لأجلك، فقط لأجلك، سأذهب."
ابتسم ميتيهان، وكأن شمسًا صغيرة أشرقت في وجهه، ثم نهض وقال ضاحكًا:
> "إذن، عليك أن ترتدي شيئًا لائقًا... لا تنسَ، نحن في حفلة!"
ابتسم عمر ابتسامة باهتة، لكنها كانت الابتسامة الأولى منذ أيام. لم يكن يعلم أن تلك الليلة ستحمل في طياتها ما هو أكثر من مجرد حفلة عابرة، بل مواجهة مع ماضٍ لم يندثر، ومع قلبٍ لم يمت، رغم كل محاولاته لدفنه.
كانت القاعة تفيض بالألوان، ممتلئة بأصوات الضحك، وصفّات الكؤوس، وموسيقى خافتة تنساب كهمسات خجلى بين الضيوف. الأضواء ناعمة، والديكور أنيق، والجو يحمل خفة المناسبات الاجتماعية التي لا تُرهق القلب، بل تخدّره قليلاً عن مشاغله. دخل عمر برفقة ميتيهان، يحاول جاهدًا أن يبدو طبيعيًا، أن يُخفي خلف ملامحه المنهكة ذلك الإرهاق العاطفي الذي لا يظهر في تقاطيع الوجه بقدر ما يظهر في بطء الخطى، وثقل النظرة، ونبرة الصوت التي لا ترتفع.
أنت تقرأ
KıvMer ♡
Romanceلا توجد لقاءات عبثية في الحياة ، كل إنسان تصادفه هو إما اختبار أو عقوبة أو هدية من السماء.... ♡
