✦مذكرة بتاريخ: ٣ مارس
كان يوماً عادياً… أو هكذا ظننته.
ألواني باردة كعادتها، والضوء ينساب على لوحتي دون أن يستأذن، لكن شيئاً داخلي لم يكن هادئاً كالمعتاد. هناك ارتجافة خفيفة في أطراف أصابعي، ليست بسبب البرد، بل أقرب إلى نبضٍ خفي، ينذرني بأن شيئًا سيحدث.
لم ألتفت في البداية، لكنني شعرتُ بوجوده قبل أن أراه.
لا تسألوني كيف… لكنه كان كمن يسير على طرف الحياة دون أن يُصدر صوتاً، ومع ذلك تشعر بوجوده في قلبك. كأن الهواء تغير. كأن كل ما حولي توقف للحظة.
رفعتُ رأسي ببطء، فتلاقت عيناي بعينيه.
شابٌ غريب، يحمل كاميرا سوداء تتدلى من عنقه، يقف بهدوء غير مبرر… كما لو كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
ملامحه لم تكن مألوفة… لكنها لم تكن غريبة تمامًا. شعره الأسود ينزل على جبهته، وملابسه بسيطة، لكنها مرتبة أكثر من اللازم. لكن عينيه؟ كأنهما تحملان قصصًا لم أقرأها بعد.
كان يرمقني بنظرة لم أعتدها. ليست فضولاً… ولا إعجاباً. بل شيء أعمق، أشبه بما يشعر به رسّام تجاه لوحته قبل أن يلمس الفرشاة.
اقترب، ببطء محسوب، كأن كل خطوة منه تحمل نيةً مدروسة. وقال:
"هل تسمحين لي بالتقاط صورة؟"
ارتبكت. ليس لأنني أكره الصور. بل لأن شيئاً في صوته… جعل قلبي يتباطأ. نبرته كانت هادئة، لكنها تشبه سطرًا من رواية حزينة.
"لا أظن لوحتي تستحق."
ابتسم، تلك الابتسامة التي لا تُرى إلا في كتب الشعر.
"لم أقصد لوحتك."
شعرتُ بالحرارة تتصاعد إلى وجنتيّ، نظرتُ بعيدًا لثوانٍ، ثم عدت إليه بنظرة أقرب إلى الحذر. لكنه كان صادقًا بطريقة مخيفة.
لم أفهم ما الذي يجعل غريباً يتحدث إليّ بهذه الراحة. أو ما الذي يجعلني أنصت. لكنني لم أرفض.
رفع الكاميرا… والتقط صورة. ثم جلس بعيداً قليلاً، على مقعد في الجهة المقابلة، يراقبني دون إزعاج.
عدت إلى لوحتي، لكن يدي لم تعد تتحرك. لم أعد أرسم.
كنت فقط… أشعر.
وكأن شيئاً في عالمي تبدّل. وكأنني… لوهلةٍ، لم أعد وحدي.
_______________
رأيت سيليا اليوم في الحديقة الخلفية. كانت ترسم كما تفعل دوماً… لكن شيئاً ما اختلف. حركاتها كانت متوترة، خطوات فرشاتها مترددة، وابتسامتها؟ تلك لم أرها منذ زمن.
ثم رأيته. رجلٌ لم أره من قبل. شعره أسود، وعيناه تتنقلان بين سيليا ولوحتها كأنهما يدرسانها.
تحدث إليها. ثم التقط لها صورة.
وسيليا… لم تمانع.
سيليا التي تنزعج إن لمحها أحد. سيليا التي أخبرتني أن لا أحد يفهم مزاجها وهي ترسم. تسمح لغريبٍ بتصويرها؟ وتبتسم؟
لا. هناك شيء خاطئ.
راقبته جيدًا. ملامحه لا تُطمئنني. هناك هدوء مبالغ فيه… وراحة لا تشبه اللقاء الأول.
قررت أن أبحث. هذا الغريب… من هو؟
____________
كنت أراقبها، كما أفعل كل يوم. لكن هذا اليوم… مختلف.
الهواء تغيّر. العالم لم يعد كما كان. هناك دخيل في الصورة. ظِلّ ثقيل اقترب منها، من عالمي. شابٌ بكاميرا، يختبئ خلف ابتسامة مصطنعة ونظراتٍ جائعة.
رأيته يقترب. يتحدث. ويأخذ منها شيئًا. شيئًا لا يُرى.
سيليا… ابتسمت له.
أجل، ابتسمت. كأنني لم أكن. كأن نظراتي لم تُشبع عينيها كما فعلتْ نظراتُه.
لكنني كنت هناك. في الظل. أراقب. أكتب. أشتعل.
لم أدوّن ملامحه فحسب، بل نسخته في عقلي، بكل تفاصيله التافهة. صوته، وقفته، طريقته في الحديث.
ثم كتبت: "هذا ليس تهديدًا… هذه نية قتل."
أنا لا أشارك. ولا أُسامح. سيليا ليست حرة كما تظن. هي مُقيدة… بي. بخطوطي، بذكرياتي، بصوري، بأنفاسي التي تسكن هواءها.
هو لا يعرف. لا يعلم أن اقترابه منها يعادل نهاية. نهايته.
أجل… أنا مهووس. مريض. لكنني لن أسمح لظلٍ أن يخطف نورًا من عيني.
إن عاد… سأكسر الكاميرا. وإن ابتسم… سأكسر فمه.
وإن لم يفهم الرسالة… سأكسر قلبه، كليًا.
لأن سيليا… لي وحدي.
_____________
📎 نهاية البارت ٢٣
أنت تقرأ
𝙊𝘽𝙎𝙀𝙎𝙎𝙀𝘿
Romanceلَيْسَتْ قِصَّةَ حُبٍّ. بَلْ قِصَّةَ رَجُلٍ يَكْتُبُ كُلَّ يَوْمٍ عَنْ فَتَاةٍ لَا تَعْرِفُ اسْمَهُ، يَرَاهَا، يَحْفَظُ تَفَاصِيلَهَا، وَيَخْتَبِئُ فِي هَوَامِشِ حَيَاتِهَا. كُلُّ مَا تَرَاهُ سِيلْيَا هُوَ فَنُّهَا، فَوْضَاهَا، وَلَوْحَاتُهَا... وَل...
