"ديرةٍ لا مريت بابها.. ودّك تسولف"

113 5 1
                                        

في ديرة ما يشب فيها الضو إلا من سُراج.. وما يندل طريقك فيها إلا صوت خطوتك كانت ثرمداء.
ديرة بيوتها من طين وأهلها قلوبهم بيض مثل شمس القايلة هناك.. كبرت "بنت عبدالمحسن" كبرت بين صياح الديكة وريحة الحطب وغترة أبوها اللي دايم مشمّرة على ساعده وهو يسقي الزرع.

هي ما كانت تشبه أخوانها كانت مثل نبتة طلعِت بمحل ما يجيه المطر إلا نادر لكنها نبتت.
عبدالمحسن ال هِزّاع اللي سمعته تسبق خيله خلف من الدنيا رجال وترك فيها بنت تقول عن نفسها:
"أنا بنت اللي كفوفه تعلّم وصوته لا ارتفع سكتت الهوى."
ما عاشت مدلّلة لكنها كانت مكرّمة..
تحب صوت الناقه وهي ترفس تحب ترد السلام على كل من يمر تحب تلمّ الطين بيدها وتسمّيه "بيت أبوي".
كل ما كبرت كل ما زاد فيها ذاك الطبع البدوي العتيق تعتز بنفسها وتغار على سمعة أهلها كأنها سيفهم.

وأخوها ناصر؟
من يوم ترك الديرة وهو كأنه طوى صفحة من عمرها..
وسعود؟
ظلّ للبيت ظهر وللأيتام سند لكن خذته الدنيا وتزوج وطلع برا ديرته
وهي؟
هي وقفت عند الباب الطيني، تناظر الجبال البعيدة، وتقول بقلبها: "أنا بروي ديرتي بحكايتي ولو انقلبت الدنيا.. أنا بنت عبدالمحسن لا نسيت ولا ببيع دمي بثمن.

كان الصبح لا لمح والبرد باقي يلسع أطراف الطين والريح تمرّ بين أبواب البيوت القديمة كأنها تسولف عنها وعن اللي سكنوها سنين
ثرمداء ساكنة إلا من صوت البيوت القديمه وناسها وصوت ناي خفيف يطلع من فم الوقت وهو يعدّ ساعاته على مهل.
مضيان واقف عند العزبة بعيد شوي عن بيتهم الطيني على حدّ الرمال اللي تفصل القرية عن فضاء الله الواسع
لابس ثوبه الشتوي عقاله ومتلثم شماغه كأنّه يربط الحكي في صدره لا يفلّت ويده بجيب ثوبه
ناظر ناقته "وضحى"كانت واقفة وهي تلوّح بعنقها كأنها تحاكيه كأنها تفهمه
مسك لجامها وقال بصوت خافت:
"يا وضحى.. ما عاد لي بالكلام رغبة ولا لي خاطر أشرح اللي في قلبي أكبر من سوالف النّاس."
هو ماهو شاعر وبس هو راعي هيبة راعي قلب مشى على الصبر لين تعلّم السكون
مضيان عرف الفقد قبل لا يعرف الفرح وذاك اليوم اللي ضاعت منه **** كسر فيه شيء.. شيء ما نطق عنه من وقته.
نسمات الهوى مر من طرف شماغه يحرّكه بخفة وهو ساكت عيونه على اطراف الديرة بعيد كأنّه ينتظر شي ما راح يرجع
من بعيد.. نسمع صوت أخته نسرين تنادي: مضيّان! القهوة بردت! تعال افطر ولا تزعّل أمي عليك!
لف راسه بهدوء وقال بصوت من تحت الضلع: أنا جاي..
بس ما تحرّك ظلّ واقف عند وضحى يمسح على رقبتها ويهمس لها: لو درتّي يا نوقي وشلون الرجال يشيّب قبل لا يذوق شيبته ما عاد رديتّي عليّ في عطفك

دخل مضيان من باب الحوش صوت نواف واصل آخر الديره: والله يا هديل لو ما تقعدين لأسلّط العصا على ظهرك! ياهيه وش هالمحارش ذي من الفجر؟!
هديل التفتت على طول رمشت بسرعة وسوّت نفسها تبكي وركضت على مضيان وهي تمسح خدّها بكفها تمثّل إنها تبكي : تكفى يا خوي فكني منه نواف جايب لي الهم من الصبح! كل ما شافني هاوشني!
مضيان واقف شماغه مشدود ويدينه في مخابي ثوبه ناظرها وهو يطالعها بنص عين: يالله يالدلّوعه كل يوم تبكين على شي ورا ما تروقين؟ تراني أعرف دموعك ما تمشي علي أنا!
ضحكت جود من بعيد وهي تقول بصوت خافت: قسم تمثيلك تخرّعين به نواف بس الباقين صايدينك من زمان
دخل أبوهم في هاللحظه دخل بكامل هيبته صوته لحاله يردّ الواحد: وش ها الهواش
التفتت هديل تركض له بسرعه: أبوي نواف يتمسخر عليّ وهاوشني تكفى علّمه!
نواف رفع حاجبه وفتح فمه يبي يرد لكن أبوهم ناظره بنظرة تعوّدوا عليها عياله: يا ولد علامك على البنية؟ لو ما تقعد العصا تعرف درب ظهرك

سكت نواف وهو يقمع الضحكة وهديل من ورا ظهر أبوها تضحك وتكتمها تشبك يدينها وتمد لسانها له بسرّه

دخلت نسرين وهي تحمل التميس بعدها بشوي جوري شايله العدس والشكشوكه وتقول وهي تتنفس بصعوبة:
ترى حار إبعدوا يا جماعه
جود ركضت لهم: حطوه على الدكّه.. وأنا أروح أجيب الباقي
اعتلى صوت أمهم من داخل المطبخ،وهي تصيح بصوتها الحنون الصارم: يا هديل يامك خلي عنك المحارش وتعالي عاونيني! جيبي الحليب والشاهي لا تأخرينه!
هديل لفّت شعرها بسرعة وصرخت وهي تبتسم: جايه يمّه والله نواف هو اللي شتتني عن السنعة!

مضيان جلس على طرف الدكة خذ له فنجال قهوة ورفع عينه بهدوء لنخل الحوش وابتسم وهو يسمع سوالف خ إخوانه وتوسط حضنه توليب بنت رائد وقلبه ما فيه إلا الرضا
رائد قال وهو يقطع التميس: أنا أقول دام العدس جاهز خلونا نفطر قبل ما تهجم علينا يمّه وتقول برد!
الفطور بالحوش اكل شعبي وخبز التميس يتقاسمونه
ريحة الشاهي تغلي وضحك جود يملأ المكان ومضيان ساكت لكن عيونه تشاركهم الفرح
أمهم تصيح: يا هديل جيبي اللبن ولا بتخليني أجي آخذه أنا؟
ضحك رائد وهو يمد اللقمة: أقول يا يمّه خلينا نفطر البنت طاح حظها اليوم من نواف ادعي لها بس!

-

أتمنى التفاعل يكون جميل ❣️

You've reached the end of published parts.

⏰ Last updated: Jul 09 ⏰

Add this story to your Library to get notified about new parts!

شلون أبأمنك وأنت صيدٍ ينهش الحنايا؟Where stories live. Discover now