خير مُقدّر

95 18 59
                                        


"إذا اِنكَشف الغطاء للنَّاس يَوم القيامة عَن ثَواب أعمالهم، لَم يَروا عَملاً أفضل ثوابًا من الذِّكر، فيتحسّر عِند ذلك أقوام فَيقولون: "ما كَان شيءٌ أيسَر عَلينا من الذِّكر."

- ابن القيم -رحمه اللّٰه- .

———-———————————-

في صباحٍ ناعمٍ نثر ضوءه الذهبي على نوافذ الشركة، بدأ اليوم بنشاطٍ غير مألوف ، كانت الأبواب تُفتح وتُغلق بإستمرار، والأوراق تُنقَل من مكتبٍ إلى آخر، وصوت الطابعة يملأ الأجواء بإيقاعٍ رتيب .

جلس "جاسِر" أمام شاشة الحاسوب، يُراجع التفاصيل الدقيقة في نموذج التصميم ،  بدت عيناه مُجهدتين من قلة النوم، لكن تركيزه لم يتزحزح ، إلى جانبه كان "قاسِم" يدوّن مُلاحظات على ورقة مطبوعة، بينما "مُراد" كان يتصفّح ملف المشروع وهو يضغط على صدغيه .

قال "قاسِم" وهو يشير إلى المخطط:
"يا جماعه ؛ أنا عندي اقتراح بسيط في توزيع الغُرف، لو وسّعنا الريسبشن شوية على حساب أوضة المكتب، هنكسب راحة أكتر فِ التصميم، خصوصًا لو هيتباع كـَ شقة فاخرة يعني"

نظر إليه "مُراد" وقد رفع حاجبه بتعجب خفيف:
"بس كده هنقلل المساحة المُخصصة للخصوصية، يعني العميل مش هيحب إن كل حاجة تبقى مكشوفة اوي"

أومأ "جاسِر" برأسه، ثُـم أدار وجهه نحو المخطط وقال بنبرة ثابتة:
"الحل مُمكن يكون في إننا نعمل ريسبشن بنظام L-shape، كده نكسب الاتنين، مساحة وانفصال نسبي"

نظر إليه "مُراد" بدهشة خفيفة، كأن الفكرة باغتته و قال:
"أنتَ نمت امتى عشان مخك يكون شغّال كده؟"

ابتسم "جاسِر" ابتسامة مرهقة، ثُم قال دون أن يرفع عينيه:
"أنا؟ أنا نمت في الطريق واحنا جايين، واللي شُفته وأنا مغمض كفايه خلاني مركز"

ضحك "قاسِم"، ثُم قال مازحًا:
"يا ساتر يا رب ! متقولش حاجه يا عمي خلّينا في التصميم أحسن"

تبادل الثلاثة نظرات مُختلطة بين الجدّ والمزاح، قبل أن ينغمسوا مجددًا في تفاصيل المشروع

————————————————

كانت "لِيـل" تجلس في شرفة المنزل، تتأمّل الشارع الهادئ أسفلها، وفي يدها كتاب صغير، تقلب صفحاته بعشوائية، دون أن تقرأ، كأنّها تلهو بالحبر وتشتت عقلها بين السطور.

صوت جرس الباب قطع شرودها، فنهضت بتردد، واتجهت لفتح الباب وحين فتحته، وجدت "جاسِر" واقفًا أمامها، يحمل في يده كيسًا صغيرًا، وعلى وجهه تلك النظرة المعتادة نظرة تحمل الكثير، وتخفي أكثر.

طيفُ محبُوبتيحيث تعيش القصص. اكتشف الآن