قفزة ثقة

16 3 0
                                        

الفصل الخامس

حينما همّ والد ليان بمغادرة المنزل، كانت الشمس تتسلل عبر النافذة، وكأنها تودعه هي الأخرى.
احتضن ابنته بقوة، وكأنه يعلم أنه يترك خلفه جزءًا من قلبه. نظرت إليه بعينين دامعتين، وابتلعت غصة مرارة لم تقدر على ابتلاعها.

"وعد يا بابا... وعد، مش هكلم مصطفى تاني، ولا هقرب من حد غريب... أنا خلاص هسمع الكلام."

لم ينطق، فقط طبع قبلة على جبينها، ثم استدار سريعًا، كأنه يخشى أن يرى دموعها فتخور قوته.

وفي اللحظة ذاتها، كان عم فتح الله جارهم العجوز يصعد الدرج، تحركت ليان نحوه بسرعة، وابتسامتها المرتعشة تسبقها.

"صباح الفل يا عم فتح الله!"

ألقى عليها السلام بلطفٍ أبوي، لكن والدها لم يرد. مر بجانبه كأن لا أحد هناك. كان الجفاء بينهما عميقًا، خلاف قديم لا تعرفه ليان، لكنها لطالما شعرت بثقله في الأجواء.

رحل والدها، وتركها في مهبّ الحنين والخوف. أخذت حقيبتها، واستقلت الحافلة المدرسية، لكن عقلها لم يكن حيث ينبغي له أن يكون. وحين توقفت الحافلة أمام المدرسة، لم تتبع الخطى المعتادة، بل دارت حول سور المدرسة، تنظر في كل اتجاه كأنها تبحث عن ظلّ تعرفه جيدًا.

ثم سمعته.

"ليان!"

كان الصوت مألوفًا، ناعمًا، لكنه ثقيل هذه المرة. التفتت فوجدته هناك، مصطفى، بنفس الهيئة التي تركته فيها بالأمس. نفس الملابس. نفس الحذاء.....حذاؤها الذي كانت قد أعطته له بالأمس، بدافع الشفقة.

اقتربت منه، وعلى وجهها بقايا من براءة، ومن تمرد.

"إزيك يا مصطفى؟"

ابتسم لها ابتسامة باهتة، ثم قال:

"إزيك إنتي... مش المفروض تكوني في المدرسة دلوقتي؟"

ضحكت بخفة، ثم أخرجت من حقيبتها كيسًا صغيرًا:

"قلت أديك شوية حلوى قبل ما أدخل... زي ما وعدتك إمبارح."

تغيّرت ملامحه فجأة. ارتبك، توترت أطرافه، تراجع خطوة إلى الوراء.

"تعالي... تعالي نروح نوقف جنب الحيطة، ماينفعش نقف كده في نص الشارع."

سارت معه دون تردد، كأنها تثق فيه، رغم أن شيئًا ما في قلبها بدأ يطرق كطبول حرب قادمة.

"خد... الكيس فيه أكل و كام حاجة حلوة."

مدّت يدها له، لكنه لم يأخذ الكيس مباشرة، نظر إليه وكأنه يحمل شيئًا يقتله من الداخل. ثم نظر إليها بعينين تمتلئان بالخوف.

"مالك؟"

لم يجب. فقط بدأ يتعرق، وتفادى النظر في عينيها. استدارت لتغادر:

"أنا اتأخرت على الطابور... سلام."

وما إن همّت بالتحرك، حتى أحاط بها ظلٌ كثيف، ويدٌ خشنة كمّمت فمها وأنفها بمنديل مشبّع بمادة خانقة. اختفى كل شيء.

ظلام.

...

استفاقت ليان في غرفة ضيقة، رطبة، لا يدخلها نور الشمس.
أنفاس ثقيلة... بكاء أطفال... صراخ... وجوه غريبة ومرعوبة... أطفال في مثل عمرها، وأصغر.

صرخت من أعماق قلبها، وهي تدور بعينيها الهلعتين في أرجاء المكان:

"أنا فين؟!!"

لم يردّ عليها أحد، فقط ارتفعت الأصوات من حولها. أطفال يبكون بحرقة، وآخرون يصرخون كمن يطلب النجدة من السماء. بعضهم في زاوية يحدق في اللاشيء، وآخرون ما زالوا في غيبوبة الخطف.

ثم تذكّرت. مصطفى. كيس الحلوى. الخيانة.

صرخت مرة أخرى:

"أنا كنت واقفة معاه... هو اللي... مصطفى! إزاي؟ إزاي يعمل فيا كده؟!"

جلست على الأرض، وضمّت ركبتيها إلى صدرها، وهي تبكي كأنما فقدت كل أهل الأرض.

"فينك يا بابا؟ يا ريتك كنت شُفتني... يا ريتك قفشتني وأنا بدّي له الكيس... كنت انقذتني."

بكاؤها تماهى مع بكاء الأطفال، حتى قطعه صوتٌ أجشّ غليظ، كأنما خرج من جوف وحش.

"بسّ يا ولاد الكلب! صدّعتوني! كفاية عياط!"

دخل رجل بدين، كثيف الوجه، يحمل في عينيه قسوة لا يُمكن تفسيرها. كان يحمل عصا، وصوته يصكّ الآذان كصوت حديد على حديد.

ضحك ضحكة باردة مقززة:

"والله وزة و بليه، دول مش عيال... دول شياطين! شوف كام عيل قبل الضهر؟ ههه."

ثم نادى:

> "يا واد يا وِزّة بلية !ده انتو ليكم عندي حلاوة!"

دخل مصطفى، عينه بالأرض، لا يجرؤ على النظر إلى ليان.
كانت تنظر إليه، لا تبكي فقط، بل تحترق.
تصرخ داخلها: "ليه؟ ليه عملت كده؟ كنت فاكرة إنك كويس... كنت باحاول أساعدك!"

الرجل الضخم صرخ:

"أنا مش عايز نفس! اللي هيتنفس... هيتقتل! واضح؟"

صرخ طفل صغير، لا يتجاوز الخامسة:

"عايز مامااااااا!"

ركضت ليان نحوه، ضمّته إليها بقلب أمّ لا تعرف الأمومة، وهمست:

"اسكت يا حبيبي... هترجع لماما قريب، ما تخافش، أنا معاك..."

جاء صوت الرجل مجددًا، وهو يسخر:

"شُطرة... هاديه وسكتيه، قبل ما أنا أسكّته بطريقتي."

خرج وضحكته ترنّ في أرجاء الغرفة، وكرشه يسبقه، وخلفه مصطفى... مصطفى الذي كان يومًا محل ثقة و شفقة، وأصبح الآن سكينًا في ظهر الثقة.

---

لقد وصلت إلى نهاية الفصول المنشورة.

⏰ آخر تحديث: Jun 13 ⏰

أضِف هذه القصة لمكتبتك كي يصلك إشعار عن فصولها الجديدة!

العدسة_ AL-Adasa حيث تعيش القصص. اكتشف الآن