كان إليوت يسير ببطء في شارع ضيّق، تملؤه الأرصفة المتشققة، والواجهات القديمة للمكتبات العتيقة.
في يده المظلّة السوداء.
وفي عينيه انعكاس لما لا يُفهم.
**
وقف عند واجهة مكتبة قديمة تُدعى “Libro e Nebbia”.
قرأ الاسم بصوت منخفض:
– "الكتاب والضباب…"
فتح الباب ودخل.
رائحة الورق المعتق غمرت صدره كأنها رئته الأصلية.
**
في الداخل، كان المكان هادئًا.
وفي الزاوية… كان هناك رجل.
ضخم، طويل، أنيق.
يرتدي معطفًا داكنًا، يجلس بظهره المستقيم، يقرأ كتابًا بتركيز تام.
شعر إليوت به، دون أن ينظر إليه.
شعر بأن الهواء تغيّر.
**
اقترب من الرفوف، مدّ يده لكتاب، لكن سقطت نسخة بجانبه.
انحنى ليلتقطها… وإذا بيدٍ أخرى تُمسك بها أيضًا.
التقت أنامله بأنامل غريبة.
رفع رأسه.
ورآه.
**
كان وجهه… هادئًا بشكل مخيف.
له عينان رماديتان، تُشبهان مدينةً ضاعت فيها الحرائق.
ابتسم الغريب.
> "يبدو أننا نحب الكتب نفسها."
قالها بصوت عميق، وناعم، كأن صوته يأتي من غرفة بعيدة.
تراجع إليوت خطوة للخلف، دون أن يشعر.
– "أنا آسف…"
> "لا داعي للاعتذار."
**
سادت لحظة صمت.
ثم سأل الرجل:
> "هل تحب القراءة لأنك تحب الهروب، أم لأنك تحب العودة إلى نفسك؟"
حدّق به إليوت، مصدومًا من السؤال.
لم يجب.
ابتسم الغريب بلُطف، وأعاد الكتاب إلى الرف.
> "هذا كتاب ثقيل، سيُجرّك إلى أماكن مؤلمة."
– "وربما هذا ما أحتاجه…"
قالها إليوت دون أن يدرك.
ضحك الغريب بخفة.
> "إجابتك تشبهك."
ثم تقدّم منه قليلًا، ووقف بجانبه.
> "هل لي أن أدعوك لشُربة ساخنة هنا في المكتبة؟"
أنت تقرأ
غَـيْب
Short Storyوأراك في كُلِّ البقاع كأنما لا جُرمَ فِي فَلْكِي يَدورُ سِواكَ ما عُدتُ أبصر في العوالم كلها قَمراً سِوَاكَ فَجَلّمن سَوّاك .
