قَـفص البـلّور.

1.5K 18 34
                                        

















---

في المدينة التي لا ينام فيها الضوء، وفي أعالي ناطحات الزجاج التي تعكس وهج السلطة والثراء، جلس ليوناردو ڤيرالدي خلف زجاجٍ داكنٍ لا يرى من خلاله أحد، يحدّق في الشاشة أمامه. الشاشة كانت تبث صورة حيّة لفتى يسير في ردهة معرضٍ فنيّ، يضحك دون حذر، كأن العالم لا يحمل له شيئًا سوى البهجة.

كان يُدعى إليوت مارسدن.
ابن لعائلة مارسدن، إحدى أقدم وألمع العائلات التي بزغت في سماء الإعلام والموضة، معروف بابتسامته الخجولة، ونعومة حضوره، وعينين بلون الفجر الهادئ.

ولم يكن يدري —ولا ينبغي له أن يدري— أن رجلاً في منتصف الأربعين من عمره، يحكم شبكات المال والسياسة والدم، قد وقع في هوس لا يُشفى به منذ أكثر من عام.

ليوناردو لم يكن رجلاً سهلاً.
رجل مافيا، وسليل سلالة من أصحاب القرار الخفي.
كانت له يد في تعيين القضاة، وخلع الرؤساء، وتوقيع الحروب دون أن يحمل بندقية.

لكنه الآن، أصبح رهينة نَظرة.

نظرة واحدة من عيني إليوت، قبل عام، في حفلةٍ صاخبة على سطح فندق مغطى بأضواءٍ خافتة، عندما اصطدم به الفتى مصادفةً، واعتذر بصوت خجول قائلاً:
"أوه… عذرًا، لم أرك. أنت تبدو كالجبل."

لم ينم ليلتها.
ولا نام بعدها.

منذ تلك الليلة، بنى قفصًا من الزجاج حول الفتى، دون أن يدري الأخير.
عُيّن له حرّاس لم يرهم.
ركّب كاميرات في شقّته دون أن يشك.
تبع خطواته في كل شارع، وسجّل صوته كلما ضحك في الهواء الطلق.

لم يكن هذا حُبًّا.
ولا كان جنونًا عابرًا.
كان شيئًا آخر، شيء لا يعرف له اسمًا إلا أن جسده يرتعش كلما تأخر إليوت عن الظهور على الشاشة لأكثر من خمس دقائق.

**

في ذلك الصباح، جلس إليوت في مقهى صغير، يقرأ كتابًا عن التصوير الياباني، بينما النسيم يحرّك خصلات شعره الأشقر برقة.
كان يُقلب الصفحة بأسلوب بطيء، كما لو أن العالم من حوله لا يركض.

راقبه ليوناردو من بعيد، من سيارة مظللة، بين رجلين مسلحين لا يعرفان سوى أوامره.
قال دون أن يلتفت إليهما:

– "إذا عطس، أريد طبيبًا بجانبه قبل أن تنتهي الكحة."

**

في مساء اليوم ذاته، تلقّى إليوت دعوة غريبة.
مغلف أسود، بداخله بطاقة مخملية مكتوب عليها:

> "نحن نرسم الجمال، لكنك الجمال ذاته. عشاء خاص في متحف الغد. الحضور إجباري."

ابتسم بخجل، وهو يقول لصديقه: – "هل هذا مزاح؟ من يكتب هكذا؟"

لكنه ذهب.

**

كان المتحف خاليًا تمامًا إلا من طاولة واحدة في المنتصف.
وشخص واحد ينتظره.

غَـيْبحيث تعيش القصص. اكتشف الآن