02

665 45 24
                                        




~


خلال الحصص الدراسية كان جونغان يجلس في مقعده المخصص قرب النافذة، ذلك المقعد الذي لم يجرؤ أحد على احتلاله منذ أن وطئت قدماه هذا الصرح المغلف بالفخامة. أمامه كان المكتب الخشبي المصقول يلمع بريقه تحت ضوء الشمس المتسلل من بين الستائر بجانبه.

كان جسده معتدلًا لا يعبر عن اهتمام خاص، وملامحه تحمل شيئًا من اللامبالاة كأن وجوده في الصف أمر لا يخصه، بل مجرد تفصيل عابر في يوم روتيني عادي. عيناه الحادتان اللتان تشبهان عيون الثعالب الذهبية لا تتبعان حركة المعلم على السبورة، بل كانتا تسيران بخياله نحو أفق آخر وهو يسرح بفكره في عوالمه الخاصة.

الكلمات التي تتردد في أرجاء الصف كانت تتلاشى عند مسامعه كما يتلاشى الضباب. لم تكن عقول الأساتذة لتنتظر من جونغان تفوقًا، فقد اعتادوا على كونه تلميذًا فوق التقييم محصنًا بمكانته ونسبه متجاوزًا حدود المحاسبة.

كان زملاؤه يلقون عليه نظرات متباينة، بعضهم يتأمل ملامحه المرسومة بعناية، وبعضهم يتحسس شعور النقص في داخله، متأملًا ذاك الفارق الهائل بين عالمه وعالم هذا الفتى الذي لم يذق قطّ مرارة الفشل أو القلق من الغد.

بين الفينة والأخرى، يُخرج جونغان قلمه الفاخر من حقيبته الجلدية، الممهورة بحروف اسمه المحفورة بلطف بلاتيني، ويخط بضع كلمات على ورقة دفتره. خطه كما هي هيئته أنيق ومنتظم. ومع أنه كان غائبًا بنصفه عن جو الصف، إلا أن حضوره يملأ المكان بتلك الهالة المهيبة التي ترافقه.

كان بعض المعلمين يتجاوزونه في الأسئلة خشية الإحراج أو تملقًا غير معلن، فهم يعلمون أنه لا يُعامل كالبقية، بل كرمز من رموز الطبقة العليا التي تدفع رواتبهم وتحدد مصائرهم.

لم يكن في الدرس ما يثير انتباهه، فكل شيء بدا كصدى بعيد لا يمت بصلة إلى واقعه المخملي. الحروف تسبح في الهواء دون أن تجد لها مرسى على شواطئ عقله، والمعلومات تُنسج وتُشرح وتُكرر، وهو غارق في تأمل خصلات شعره التي تتمايل بخفة على صفحة كتاب لم يُفتح منذ بداية الحصة.

كان يومًا مدرسيًا آخر، يمضي هادئًا وساكنًا وجميلًا بلا فائدة، متخمًا بالتفاصيل الصغيرة التي لا تعني له شيئًا. ومع ذلك، ظلّ وجوده فيه أشبه بنغمة متفردة تمضي في رتابتها كأن العالم كله يدور في فلكه هو، لا العكس.

في الحصة الثالثة، قبيل انبعاث جرس الاستراحة الكبرى، وبينما كانت حرارة النهار تتسلل من خلال النوافذ العالية ملقية بأطياف ضبابية فوق رؤوس التلاميذ، إذ بالمعلم يرفع صوته الرصين بإعلان غير مألوف.

𝑨𝒄𝒄𝒆𝒔𝒔 𝑫𝒆𝒏𝒊𝒆𝒅 | ʜʏᴜɴɪɴ ✓حيث تعيش القصص. اكتشف الآن