---
قبل شهرين من الجريمة...
كان يُدعى ورزة، هكذا سموه، وهكذا اعتاد أن يُنادى، رغم أنّ اسمه الحقيقي مصطفى. لم يكن يملك من الدنيا شيئًا سوى اسمٍ منحته إياه أمّه ذات يومٍ بعيد، اسمٌ حمله على كتفيه كأنه ذكرى، أو جرحٌ لا يندمل.
في الثانية عشرة من عمره، لكنه لم يعش منها إلا الشقاء. لم يعرف معنى الطفولة إلا كما يتخيله في أحلامه حين يغمض عينيه لثوانٍ بين ضربةٍ وشتيمة، أو بين يومٍ بلا طعام وليلٍ بلا مأوى.
كان يقف أمام المدرسة، ينظر إلى الأطفال الذين يخرجون منها فرحين، يركضون إلى أحضان أمهاتهم وآبائهم، يضحكون، يتحدثون، يحملون حقائبهم الصغيرة وكأنها كنوز.
أما هو، فكان يحمل كيسًا صغيرًا به بصلة ونصف رغيفٍ يابس، يُخفيه في حضنه كأنه أغلى ما يملك. كان ينظر إليهم مكسور العين، شارد الذهن، يتمنى لو أنّ الزمن يعود به ليعيش يومًا واحدًا فقط... يومًا واحدًا بين أبويه، يذهب إلى المدرسة، يلعب مع طفلٍ في مثل عمره، يضحك من قلبه، أو يسمع كلمة "يا حبيبي" مرةً أخرى.
لكن لا شيء من ذلك حدث. لا شيء من ذلك سيحدث.
أفاق من شروده على صوت معدته، تصرخ جوعًا، تعاتبه على إهمالها، لكنه لم يكن يملك إلا الصبر. جلس على حافة الرصيف، أخرج ما في كيسه، وقضم قضمة صغيرة من البصل، ثم فتاتًا من الخبز اليابس. لم يكن الطعام يملأ بطنه، بل يملأ فمه فقط، كأنّه يسكت الجوع بالوهم.
دموعه لم تسقط، لكنه كان يبكي... يبكي بصمتٍ موجع، بقلبٍ يتآكل من الداخل، بحزنٍ لا يملك له مفرًا.
تذكر بيتهم القديم، حيث كانت أمه تناديه كل صباح بصوتٍ دافئ: "قوم يا مصطفى، الفطار جاهز."
تذكر ضحكة أبيه، يضمه إليه بعد عودته من العمل، ويقول له: "كبرت يا بطل؟"
ثم تذكر كل شيء انتهى فجأة. الحريق. الصراخ. العتمة. ثم الفقد.
أصبح بعدها مجرد طفلٍ في يد تجار القسوة. عمل عند رجلٍ لا يعرف من الرحمة شيئًا، يجبره على التسول، يضربه إن لم يجلب مالًا كافيًا، ويهينه قائلاً له:
- "اسمك ورزة... كده أحسن ليك!"
ومع مرور الأيام، صدّق الكذبة. نسي اسمه الحقيقي، أو كاد ينساه.
وفي أحد الأيام، بعد أن طرده ذاك الجشع، ظلّ يسير في الشوارع بلا هدف، حافي القدمين، والبرد ينهش جلده الصغير. قدماه تنزفان من شدة الاحتكاك بالحجارة والأسفلت، ويداه متسختان، مغطاتان بالتراب، كأنهما تصرخان مع كل خطوة: "ارحمونا."
عاد بعد ساعتين من التيه إلى نفس المكان... أمام المدرسة.
هناك، جلس على الرصيف، يكاد ينهار من التعب، حتى ظهرت فجأة فتاة صغيرة. كانت تقف منتظرة والدها، ترتدي زيّ المدرسة، وملامحها البريئة تشبه قريبةً له كان يلعب معها في صغره.
أنت تقرأ
العدسة_ AL-Adasa
Mystery / Thrillerيبدو أن الرصاصة التي أفلتت... ربما كانت موجهة للجميع...
