ظلال الشك

19 6 0
                                        

‏الفصل الثاني:

‏كان والد ليان، الدكتور حسين، جالسًا أمام الضابط شريف في المكتب، عيونه حمراء ووجهه شاحب من شدة الألم.

‏شريف قال له بنبرة هادئة، وهو يقدم له العزاء:
‏– "البقاء لله يا دكتور حسين، وربنا يصبّركم."

‏هز الدكتور رأسه بصمت، وهو يحاول يكبت دموعه.

‏شريف أعاد ترتيب أوراقه، ثم سأل مباشرة:
‏– "ممكن أعرف سبب تأخيرك لتاني يوم، دكتور؟ المفروض إنك كنت راجع امبارح مش النهارده."

‏تنهد حسين بعمق وقال:
‏– "قبل ما أروح على المطار جالي اتصال بحالة طبية طارئة… اضطريت أتدخل وأنقذ المريض، والطيارة فاتتني. اضطريت أستنى لليوم اللي بعده. ولسوء حظي موبايلي وقع واتكسر، مقدرتش أتواصل مع حد."

‏سجّل شريف المعلومة بهدوء، لكنه لم يُظهر أي تصديق واضح.
‏ثم قال وهو يقلب في الأوراق:

‏– "التقرير المبدئي بيقول إن في حد رنّ الجرس على مدام سلوى، ولما قربت تبص من العدسة اللي في الباب... رصاصة اخترقت العدسة وأردتها قتيلة."

‏ارتعشت ملامح الدكتور حسين، ودموعه لمعت في عينيه، حاول يتمالك نفسه لكنه فشل.

‏ربّت شريف على المكتب بلطف وقال:
‏– "الله يرحمها... كانت ست محترمة."

‏سكت لحظة، ثم سأله بنبرة مركزة:
‏– "دكتور حسين... في حد كان يعرف ميعاد رجوعك بالظبط؟"

‏هز حسين رأسه بسرعة:
‏– "لا... محدش كان يعرف. حتى سلوى نفسها كانت تفتكر إني راجع في ميعاد الطيارة الأول."

‏سجّل شريف إجابته بعناية... لكن عقله كان بيرجع لكلام جارهم اللي قال إن الأب كان المفروض يرجع النهارده.
‏هنا بدأ الشك يتسلل لذهنه.

‏نهض وقال بهدوء:
‏– "شكرًا ليك يا دكتور. تقدر تمشي وترتاح دلوقتي."

‏خرج حسين بخطوات مثقلة بالحزن، بينما جلس شريف وحده، غارقًا في التفكير.
‏كان بيحاول يربط الخيوط المتناثرة... يحس إن في حاجة مش راكبة.

‏وفجأة، دخل ضابط صغير يحمل ملف جديد.

‏قال وهو بيسلمه لشريف:
‏– "آخر التقارير يا فندم."

‏فتح شريف الملف بسرعة...
‏المسدس المستخدم عياره 9 مللي.
‏آخر مكالمة على موبايل القتيلة... كانت من جوزها الدكتور حسين، قبل الجريمة بأربع ساعات تقريبًا.

‏شريف قعد يراجع بعقله:
‏– رحلة لندن للقاهرة... بتاخد أربع لخمس ساعات بالكثير.
‏يعني حسين كان يقدر يوصل قبل وقوع الجريمة .

‏"هل فعلاً كان لسه ما وصلش؟
‏ولا كان موجود... وبيخبي حاجة؟"

‏لم ينتظر أكثر.
‏نهض من مكانه بسرعة، وجمع فريق التحقيق، وقال بنبرة حازمة:

‏– "كلنا على مسرح الجريمة حالًا. هنرجع نفحص كل تفصيلة… لازم نعرف مين قتل سلوى... وليه؟"


‏---

‏في الطابق العلوي من بيت العزاء، كانت ليان تجلس صامتة بجوار جدتها، أم والدها، في غرفة صغيرة يغلفها الحزن.
‏عينا ليان كانتا زائغتين، وكأنها تنظر إلى عالم آخر بعيد، غير معنيّة بما يدور حولها.

‏أسفل البيت، كان والدها الدكتور حسين يستقبل المعزين بوجه شاحب ونظرات ذابلة.

‏طرقات خفيفة على باب الغرفة.
‏دخلت ياسمين بهدوء، تقدمت بخطوات رقيقة وسلمت على الجدة، ثم جلست بجوار ليان دون أن تزعج صمتها.

‏مرت دقائق طويلة، كل واحدة غارقة في عالمها الخاص.

‏نظرت ياسمين حولها، حتى وقعت عيناها على رف مليء بالألعاب.
‏ابتسمت ابتسامة خفيفة جاءت لها بفكرة.

‏قامت بهدوء، التقطت دمية قماشية صغيرة بلون وردي، ثم جلست أمام ليان وقالت بنبرة مرحة خافتة:
‏– "أنا عايزة أتكلم مع لعبتك شوية... ممكن؟"

‏رفعت ليان رأسها قليلًا ونظرت لها بدهشة.

‏ياسمين لفت وجهها للدمية وكأنها تتحدث إليها قائلة:
‏– "قوليلي يا لعبة... ليان شافت حاجة وجعتها قوي، صح؟ قوليلي عشان نقدر إحنا كمان نزعل معاها ونطبطب عليها."

‏ليان قطبت جبينها وقالت بصوت خافت مكسور:
‏– "أنا عندي ١٤ سنة... وعارفة إن اللعب مبتتكلمش. وإحنا المفروض مبنتكلمش معاهم."

‏ابتسمت ياسمين ابتسامة واسعة ودافئة وقالت:
‏– "مين قال إن الكبار مبيتعاملوش مع اللعب؟
‏على فكرة... أنا لسه بتكلم مع لعبي لحد النهارده."

‏نظرت لها ليان نظرة غريبة، بين الشك والاستغراب، لكن في عينيها لمعة صغيرة لم تكن موجودة قبل دقائق.

‏أكملت ياسمين، وكأنها تحكي سرًا:
‏– "أنا عندي لعبة قديمة... كنت بكلمها وأنا صغيرة. ولسه لحد دلوقتي، لما بزعل أو أفرح... بقعد أحكيلها كل حاجة."

‏سادت لحظة صمت دافئة بينهما.

‏ثم قالت ياسمين بحماس بسيط:
‏– "إيه رأيك؟ تيجي معايا يوم من الأيام وأوريكي لعبي؟"

‏ترددت ليان للحظة... ثم هزت رأسها بالموافقة بخجل خفيف.

‏ابتسمت ياسمين من قلبها، وشعرت أن جدار الصمت بينهما بدأ يتشقق لأول مرة.
‏كانت هذه اللحظة... أول خيط في حبل الصداقة الذي سيربط بينهما .



‏---
في اليوم التالي...

العدسة_ AL-Adasa حيث تعيش القصص. اكتشف الآن