قلوب متعبة

61 6 0
                                        

الفصل الأول:

‏كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً، والسماء غارقة في ظلامٍ شتويٍّ ثقيل. المطر ينقر على زجاج النوافذ برفقٍ حزين، كأن الطبيعة تبكي بهدوء.
‏في شقةٍ صغيرةٍ تعلو مبنى قديماً من أربعة طوابق، كانت الحياة تمرّ ببُطء، والهدوء لا يقطعه سوى صوت عقارب الساعة، تلك التي لم تكن تدري أنها تعدّ الثواني الأخيرة لعالمٍ كامل.

‏ليان، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، كانت تجلس على الأرض، ظهرها مستند إلى الأريكة، وذراعاها تحتضنان ركبتيها كمن يبحث عن دفءٍ ضائع.
‏كانت الأم في المطبخ، تُحضّر ما تبقّى من العشاء، ورائحة الطعام لا تزال تملأ الجو، كأنها تحاول التخفيف من وطأة الانتظار.

‏رفعت ليان عينيها إلى الساعة، ثم نظرت إلى الباب، كما لو كانت تأمل أن يفتحه الزمن نفسه.

‏قالت بصوتٍ بالكاد يُسمع:
‏"أتأخّر ليه؟"
‏كان سؤالاً أكثر مما هو شكوى، موجّهًا إلى نفسها أكثر من أمها.

‏خرجت الأم من المطبخ، تمسح يديها في منشفة صغيرة، وابتسامة دافئة تعلو وجهها، وقالت:
‏"أكيد الزحمة، أو يمكن اتأخرت الطيارة…متقلقيش، بابا في الطريق."

‏كان من المفترض أن يكون هذا اليوم يومَ فرحٍ وبهجة.
‏الأب عائد من سفر عملٍ طال شهورًا، والبيتُ نظيفٌ ومرتب، والمائدة عامرة بالأطباق، وليان ترتدي ملابس جديدة، وشعرها مصفف بعناية كأنها تستعد لحفل زفاف.

‏لكن… في اللحظات التي تسبق الكارثة، كلُّ شيء يبدو هادئًا بشكلٍ مخيف.

‏رنّ جرس الباب.

‏نغمة قصيرة… لكنها مزّقت السكون كأنها شفرة حادة.

‏انتفضت ليان واقفةً، كأن النغمة سحبتها من مكانها، لكن الأم مدت يدها تمنعها.

‏قالت بهدوءٍ مطمئن:
‏"استني … هشوف مين من  العدسة الاول."
‏ومشت نحو الباب، بخطواتٍ هادئة اعتادتها في كل مرة، دون أي شعورٍ بالخوف.

‏حرّكت المفتاح من الداخل، واقتربت من العدسة.

‏ثم… حدث شيءٌ لا يمكنني وصفه في لحظة.

‏"بوم!"

‏خرجت رصاصة مدوية من عدسة الباب أردت بها صريعة على الارض.

‏لم ترَ ليان شيئًا في البداية، فقط سمعت صوتًا أشبه بانفجار زجاج، ثم لمحت جسد أمها يُقذف بقوة إلى الخلف، ويسقط أرضًا، والدماء تنفجر من رأسها كنافورة صغيرة حمراء.

‏كانت صرخةٌ على وشك أن تخرج من حلقها… لكنها لم تخرج.
‏تحطّم صوتها… ثم اختفى.

‏وقفت ليان متجمّدة في مكانها، عيناها متسعتان لا ترمشان، ونفسها محبوسٌ في صدرها.

‏توقّف الزمن.

كأنّ عقارب الساعة تكسّرت فجأة، وسقطت في هوّة لا قرار لها. لم تعد تسمع شيئًا... لا صوتًا، لا صدى، لا حتى خفقة قلب.
اختفى كل شيء. تلاشى العالم من حولها كدخان في الريح. الكلمات ذابت، تبخّرت، صارت فراغًا مطلقًا.
وحتى دموعها، تلك التي لطالما خانتها، جفّت في مآقيها دون أن تترك أثرًا، كأنها لم تكن.
لم تعد في الدنيا... لم تعد في الوجود أصلًا.
كأنّ روحها انسحبت منها في صمت، وتركت خلفها هيكلًا فارغًا، تمثالًا من لحم لا يصدر حتى أنينًا.
كانت مستيقظة... لكنها ليست هنا.
نظرتها جامدة، لا ترى، شفتيها نصف مفتوحتين لا تنطقان، صدرها يعلو ويهبط كأنها تتنفس بالعادة، لا بالحياة.
كل ما فيها كان ساكنًا... ساكنًا حد الموت.
الصدمة نزعت عنها بشريّتها، حوّلتها إلى ظلّ مشروخ، إلى صدًى لما كانت عليه قبل لحظة واحدة فقط.

العدسة_ AL-Adasa حيث تعيش القصص. اكتشف الآن