قبل أن ينفلت الخيط

62 5 1
                                        

«بعض الأسئلة لا تُطرح بحثًا عن إجابة
بل لأن الصمت صار أثقل من الخوف»

______________________________________

يحمل كوب قهوة في يده إشتراه من مقهى قريب من منزله بينما بيده الأخرى يحمل كتابا يقرئ صفحاته بقلة تركيز،
جالس على كرسي قريب من شرفة غرفته ليحصل على إضاءة كافية للقراءة بسبب أن أنوار الغرفة مطفأة
توقف في لحظة ما يغلق الكتاب بقوة يضعه على الطاولة جانبا بينما يدعك المنطقة بين عينيه لعله يقلل تعبه، الأفكار تعصف برأسه منذ عودته في منتصف اليوم من الجامعة و لا يستطيع أن يهدأ، و الدليل أنه يخالف قاعدة عدم شرب القهوة مساءا.
هل كان على حق عندما أكد شكوكها؟ هل من المنطقي أن يعترف بهويته الكاملة لتنفيذ خطة خطرت بباله في جزء من الثانية في لحظة توتر قاتل، ليس من المنطقي أن يفعل شيئا خطيرا كهذا بناءا على فكرة ساذجة ضربت رأسه حينها، الآن هو لا يملك شيئا لفعله
سينتظر فقط ردة فعلها.... هل ستحاول معرفة ما هو أكثر؟.... أو أنها ستكتفي بالإبتعاد و ادعاء أن شيئا لم يحصل
هي غريبة و هذا ما هو متأكد منه! لم تشتكي للشرطة في ذلك اليوم على الإطلاق و لا يبدوا أنها تخطط لفعل ذلك، ربما فكرت في الموضوع الآن بعد أن أخبرها عن هويته الكاملة بينما يدعي أنه غير مهتم
غير مهتم؟ بالتأكيد هو مهتم بشدة، حياته تعتمد على ذلك. لن يدعي أنه صاحب النفوذ القوي أو العبقري الذي لا يمسكه أحد، خطأ واحد خارج الحسابات و خروج من الزاوية المعتمة إلى الضوء و سيكون عرضة للخطر.
قطع صوت رنين الهاتف تفكيره في حل لهذه المعضلة التي هو واقع بها حاليا ،
ركز بيعنيه على إسم المتصل بينما يقف من مكانه متجها نحو الشرفة يقوم بفتحها سامحا للهواء البارد بأن يتسلل إلى غرفته بينما يسمح للستائر بأن تتراقص على أنغامه.
«الغجرية»
إبتسم برقة عند رؤيته لهوية المتصلة،دون تأخير أكثر من ذلك قام بالرد عليها، لم يتكلم ينتظر منها هي أن تبادر، و لم يخب ظنه لأنها بادرت الكلام بحماس لا يزال يراه مميزا لا يوجد بشخص غيرها
«مرحبا أستاذنا العزيز! تهانينا الحارة على أول دوام لك!»
«مرحبا غجريتنا العزيزة، شكرا على تهنئتك»
«مرحبا ديمي، مبارك لك أول دوام»
أتى من سماعة هاتفها صوت رجل هادئ يهنئه هو الآخر على أول يوم له في العمل .
الأخوان الغجريان سيلفارا تشوفاني و إيمير تشوفاني.
صديقا طفولته و مراهقته و شبابه، عائلته الثانية، صحيح أنهم يعيشون في بلدين مختلفين، هما من بلغاريا و هو من اليونان، و لكن طفولته كانت برفقتهما بحكم عمل والده الذي فرض الترحال، كوّن معهم صداقة منذ ذلك الحين إلى الآن.
«شكرا على التهنئة، ... ربما أتوقع هدية على الأقل؟»
قال ممازحا إياهما بابتسامة زينت وجهه، لا تخفى عن من ينظر سعادته و هو يكلمهما، كيف لا و هو وحيد هنا منذ عودته، غارق في الاوراق و العمل الشريف النظيف و الإرهاق، وحيدا دون شخص يحادثه براحة رغم أنه في وطنه، والداه ليسا هنا هما في بلد ما على الأرجح
و صديقاه بعيدان أميال عدي....
«إفتح الباب بسرعة لا أطيق الإنتظار!»
قاطعت صوت أفكاره الدرامية عن كم هو شخص وحيد تطالبه بفتح باب المنزل، هذا جعله يستقيم من مكانه مصدوما يسرع نحو الشرفة ليتأكد ما إذا كان ما قالته صحيحا.
نظر للباب أسفلا لكنه إستغرب لأنه لا يوجد أحد!
قبل أن يكمل التفكير للمرة الثانية على التوالي سمع صوت ضحكها العالي عبر سماعة الهاتف، ضحك مليئ بالسخرية كأنها تستمتع بالتلاعب به ، بينما تنهيدة ثقيلة جاءت من طرف إيمير كأنه سئم بالفعل من سخافتها، إنتزع شقيقها الهاتف من يدها و غير مكانه مبتعدا قليلا ليكلمه
«دعك منها، إذا كيف كان يومك؟ أتمنى أنك لا تضغط على نفسك»
إتكئ الآخر على الشرفة ناظرا بعينيه للسماء مميلا برأسه للخلف، السماء صافية بلون أصفر و برتقالي، الغروب جميل، هذا ما فكر به.
«حسنا، لنقل أنه كان يوما عاديا، أشعر ببعض الإرهاق فقط»
«هل تملك عملا الليلة؟»
يقصد عمله الآخر، أتى صوته باردا كأنه لا يحبذ الفكرة، لطالما كان ضد هذا العمل تماما و يريد منه التوقف، لكنه ببساطة لا يستمع له ، رد عليه ديمي بصوت هادئ بينما يعود للغرفة
«لا، لا أملك عملا لفترة، أنا أسترخي فقط»
«صوتك لا يقول ذلك»
هذه المرة لم يكن إيمير من قال ذلك، بل سيلفارا من قالته ، صوتك لا يقول ذلك، لست مسترخيا هذا ما عنته، يفاجئه مدى ذكائها فيما يتعلق بقرائته، ليته يملك نفس المهارة، من نبرته فقط عرفت أنه ليس بخير ، هو بالطبع ليس بخير لكنه لن يقول السبب وراء ذلك، لا يعرفان أنه تخلى عن قتل إحدى من من كلف بقتلهم و أنها تعرفت عليه اليوم، و لن يخبرهما بذلك لأنه سيقلقهما معه لا غير، سيتسائلان عن سبب عدم قتله لها و هو لا يرغب بأن يخوض في هذا النقاش، لكنه تجاهل كل هذا و حاول أن يدعي أنه بخير
«لا أنا أفعل، حاليا أرغب بأن أنام قليلا و ربما اتجول في الخارج، غدا لدي دوام أيضا»
اجاد إدعاء أنه بخير و هي الاخرى لا تريد أن تخوض في إنكار ذلك أكثر، لهذا تجاهلت الأمر ببساطة، لتعود الابتسامة و ترتسم على وجهها متابعة السخرية و الضحك معه حول أمور عدة، مع مشاركات هادئة من إيمير في خوض الحديث
إستغرقت المحادثة حوالي نصف الساعة تقريبا، مواضيع عشوائية أغلبها من سيلفارا.
قَطع الخط بعد أن ودّع رفاقه بحجة أنه متعب ، لكنّه ظل ينظر إلى هاتفه بشرود بينما يقف في وسط الغرفة لفترة وجيزة، الأفكار تتلاطم في رأسه كأمواج عاتية تعكر مزاجه و نفسيته
متوتر و قلق.... خائف من الأحداث المقبلة، ربما يشعر بالندم على عدم تنفيذه للمهمة، لكن ليس هذا المهم
يدور سؤال في رأسه منذ اليوم الذي وكِّل بقتلها
كيف عرف من وكَّله بالمَهمة هويته الأصليّة؟ هذا خطير للغاية و لا يمكنه أن يغض الكرف عنه، معرفة هويته بينهم تجعله تحت المنظار و ربما هو مراقب الآن في حياته اليومية و دائرة معارفه مهددة هي الأخرى
تواصل معه بإسمه و هويته و كأنه شخص عادي... رغم أنه مجهول في هذا العالم و لا أحد يعرف عنه شيئا إلاّ إسمه الرّمزي

appel and cherry /تفاح و كرزحيث تعيش القصص. اكتشف الآن