طُــوفَــان

56 6 6
                                        

رنّ الهاتف الأرضي بصوت حادٍ مزّق سكون الغرفة. كنت مستلقيًا على الأريكة، أحدق في السقف بشرود، محاولًا استيعاب ضجيج اليوم السابق، عندما انقطع صمتي بذلك الرنين المتكرر.

زفرت ببطء قبل أن أمد يدي لالتقاط السماعة، نبرتي كانت مزيجًا من التعب واللامبالاة.

"نعم!؟ "

جاءني صوتٌ مقلق من الطرف الآخر، صوت السيد سانتوس، والد ليتيسيا. كان مشوبًا بتوتر خفي، لكنه حاول جاهدًا أن يحافظ على هدوئه.

"ليوناردو هل ليتيسيا عندك؟"

استقمت فورًا في جلستي، الحذر تسرّب إلى ملامحي. "لا، لم أرها منذ البارحة. ألم تعد إلى المنزل؟"

سادت لحظة صمت قصيرة، لكنها كانت كافية ليزرع الشك في صدري. ثم جاء صوته أكثر اضطرابًا هذه المرة "لم تعد منذ الصباح. كان من المفترض أن تكون في المصحة، لكن أحدًا لم يرها هناك. لم أكن أريد القلق، لكن... هذا ليس من عادتها."

شعرت بعضلة فكي تنقبض، والقلق بدأ يتسلل إلى صدري. ليتيسيا ليست من النوع الذي يختفي هكذا بلا أثر. نهضت من مكاني، قبضتي تشد على سماعة الهاتف. "هل اتصلت بالمصحة مرة أخرى؟ هل سألتم ماريا؟ ربما خرجت لبعض الوقت."

"سألنا الجميع، لا أحد يعلم عنها شيئًا."

الآن، لم يعد بإمكاني تجاهل القلق الذي بدأ ينهش داخلي. مررت يدي في شعري بعصبية، قلبي ينبض بسرعة غير معتادة. ليتيسيا قد تكون عنيدة، لكنها ليست متهورة إلى هذا الحد.

"لا تقلق، سأبحث عنها. إن حصل أي جديد، أخبرني فورًا."

أغلقت الخط بسرعة قبل أن أسمح لأي أفكار أكثر سوداوية بالتسلل إلى رأسي. أخذت معطفي على عجل واندفعت نحو الباب. هناك شيء خاطئ... خاطئ جدًا.

خرجت من المنزل بخطوات سريعة، الهواء البارد يلفح وجهي، لكنه لم يكن كافيًا لإخماد الحرارة التي بدأت تتصاعد في صدري.

شعور غير مريح، أشبه بشوكة عالقة في حلقي، لم يفارقني منذ سمعت صوت والد ليتيسيا القلق.

أدرت في ذهني آخر مرة رأيتها فيها. كانت متعبة، مرهقة... لم تكن في أفضل حالاتها. لكن، هل يعقل أنها اختفت بهذه البساطة؟

لم يكن لدي وجهة واضحة، لكن قدماي حملتاني نحو المصحة تلقائيًا. إن كان هناك من رأى ليتيسيا لآخر مرة، فهو أحد هناك.

حين وصلت، كانت الأجواء داخل المصحة قد هدأت قليلًا مقارنة بالفوضى التي كانت تعم المكان البارحة. توجهت مباشرة نحو ماريا، التي ما إن رأتني حتى ظهر الارتباك على ملامحها.

"ليوناردو؟ ما الذي أتى بك إلى هنا؟"

تقدمت نحوها بخطوات ثابتة، رغم أن داخلي كان أبعد ما يكون عن الثبات. "ماريا، متى كانت آخر مرة رأيتِ فيها ليتيسيا؟"

Venice حيث تعيش القصص. اكتشف الآن