إقتباس 1

732 42 14
                                        


أَروحُ وَقَد خَتَمتَ عَلى فُؤادي
بِحُبِّكَ أَن يَحِلَّ بِهِ سِواكا

- المتنبي .

---

صَوتٌ فِي اللَّيلِ

في ليلٍ طويلٍ أثقلَ على صدرِه كالصَّخر، جلسَ "جاسر" في غرفته المظلمة، والذكريات تلتفُّ حوله كالأشباح.
على طاولةٍ خشبيةٍ قديمةٍ، كان الدفترُ مُلقى بجوارِ فنجانِ قهوةٍ لم يعد يتصاعد منه البخار.
كان المكانُ خافتًا، لا يضيئه سوى شعاعٍ من ضوء القمر يتسلل من نافذةٍ نصف مغلقةٍ.

ظلَّ "جاسر" يُحدِّقُ في اللاشيء، وكأنه ينتظرُ شيئًا يُحرِّك هذا السكون. فجأة، شَعَرَ بريحٍ خفيفةٍ تُداعبُ وجهه، ثم سَمِعَ الصَّوتَ الذي يعرفُه جيِّدًا، الصوتَ الذي غابَ عنه منذ شهور.

ذِكرى: لسَّه زي ما إنت؟ بتقعد في الضلمة وتفكَّر كتير؟

ارتفع رأسهُ بسرعة، وبدا عليه الذهول
التفتَ في كُلِّ اتجاهٍ، لكن الغرفة كانت فارغةً

جاسر: مين؟ مين هنا؟

الصَّوتُ عادَ مُجددًا، أقرب هذه المرة، كأنه يتسلَّلُ إلى أُذنه مباشرةً

ذِكرى: مش عارف صوتي؟ ولا خلاص نسيتني؟

وقفَ "جاسر" فجأةً، كادَ الكرسيُّ يتراجعُ خلفهُ بفعل حركته
عيناها، ضحكتها، كُل شيءٍ عادَ إلى ذهنه كالسَّيلِ

جاسر: ذِكرى؟ إنتِ فين؟ بتتكلمي منين؟

ذِكرى: إنت اللي دايمًا بتسأل...بس مش بتسمع
أنا هنا، بس يمكن مش زي ما إنت متوقَّع .

تجمَّد في مكانه، قلبُه ينبضُ بقوةٍ حتى كاد يسمعه
أخذَ يمرِّرُ يديه على وجهه وكأنه يحاولُ استيعاب ما يحدث.

جاسر: ليه؟ ليه سبتي كل حاجة ومشيتي؟ ما فكرتيش أقولك حاجة؟

ذِكرى: كنت فاكرة إنك هتفهم لوحدك... بس الظاهر إني غلطت .

جلسَ على الكرسيِّ من جديدٍ، وكأنَّ قدميه لم تعودا قادرتين على حملهِ
أمسكَ الدفترَ الذي لم يفارقه منذ سفرها، فتحهُ ببطءٍ ليجدَ الصفحةَ الأولى مكتوبًا فيها بخطٍّ مترددٍ:

"إلى ذِكرى، لو كان الفراق قدرًا، فالقلبُ لا يعرفُ الانفصال."

رفعَ رأسه مجددًا نحو الفراغ، عيناها بدتا أمامه للحظةٍ ثم اختفتا.

جاسر: إنتِ عايزة إيه مني؟ ترجعيني للِّي كان؟ ولا تقوليلي إنِّي لازم أنسى؟

لكن الصَّمتَ عادَ ليُخيِّمَ من جديدٍ، ولم يتبقَّ سوى صوت أنفاسه المتقطعة.

-----------------------

"لكن هل يمكن للغياب أن يكون مجرد بداية لشيء آخر؟ أم أن الغموض الذي يلف هذا الفراق سيظل يطاردني إلى الأبد؟"

---

يُتبع ...

طيفُ محبُوبتيحيث تعيش القصص. اكتشف الآن