"في متاهات الظلام، يولد الوعي نورًا لا يراه سوى القلب."
________________
وقفت أمام قبر أمي كمن يقف على أعتاب ذاكرة لا يريد دخولها، لكنه عاجز عن الفرار منها.
كان الصباح ساكنًا، إلا من نسائم خفيفة تلاعبت بخصلات شعري، كأنها تهمس لي بشيء غامض. يدي امتدت ببطء لنزع الحشائش التي اقتحمت موضع الأزهار، وكأنها تحاول أن تمحو أثر الحياة الصغيرة التي حاولت غرسها هنا.
نظرت إلى النقوش الباردة على الحجر الرمادي؛ اسمها محفور بحروف خالدة، بينما صوتها الذي كان يملأ عالمي أصبح همسًا لا يسمعه سوى قلبي.
كلما جئت إلى هذا المكان، أشعر وكأنني أخطو إلى لحظة فقدها الأولى. نفس الغصة تعتصر حنجرتي، ونفس الظلال تتلبس قلبي.
لكنني رغم ذلك أمد يدي إلى التراب، ألمسه بحنان كأنني ألمس شعرها الأسود الذي طالما كان ملاذي. همست لها، وصوتي يتردد في الفراغ:
"أمي... سأعود غدًا. سأحدثك عن المزيد والمزيد... لكي لا تشعري بالوحدة. لكي تشعري أنني هنا... دائمًا هنا."
رفعت رأسي عن التراب، مسحت ما تبقى من دموع لم أسمح لها بالظهور، ونفضت الغبار عن ثوبي بخفة. ألقيت نظرة أخيرة على القبر، كأنني أودّعها للمرة الألف، ثم خطوت مبتعدة، وخطواتي تحمل وهنًا لا يتناسب مع بداية يوم جديد.
كانت الأرض التي أسير عليها مرصوفة بأحجار عتيقة، متآكلة الأطراف، شاهدة على أقدام عبرتها من عصور مضت.
حجارة تبدو وكأنها تحمل في مسامها قصصًا دفنت تحتها. تطلعت إلى المارة؛ وجوههم سرديات صامتة. رجل يخطو بتعبير كالحٍ يوحي أن الحياة قد أثقلت كاهله. أم تسير بخطى متعثرة، يدها تمسك بقوة يد ابن صغير يبكي، حقيبته المدرسية متأرجحة كأنها عبء لا يطيقه.
في زاوية الرصيف، فتية يضحكون، ضحكاتهم كأنها عصيان على كل ما يقيد أرواحهم. كل وجه هنا، كل حركة، كل نبض، يحمل قصة تغيب عن أعين العابرين.
طريق أفكاري لم يكن مستقيمًا، لكنه قُطع فجأة عندما وقفت أمام المصحة. البناء أمامي كان شامخًا بواجهته العتيقة، كأن جدرانه تخفي أسرار أرواح ضائعة وجدت هنا ملاذها الأخير. لم أكن سوى متدربة، بالكاد أبدأ في فهم ما يعنيه هذا المكان، لكنني شعرت بانجذاب غريب نحوه. كأنني وجدت جزءًا من نفسي هنا، بين هؤلاء الذين يسميهم العالم "مجانين".
لكن، من هم المجانين حقًا؟ أولئك الذين يبحثون عن ملاذ في صمت هذه الجدران؟ أم من قذفوا بهم إلى هذا المصير، وهم ينزفون جراحًا لا تُرى؟ كان من الواضح لي أن هؤلاء ليسوا مختلين، بل ضحايا لعالم أصمّ آذانه عن صرخاتهم، وقلب ظهره عن آلامهم.
خطوت نحو الباب، عيني تلحظ كل شقوق الجدران وكل ظل عابر. كل شيء هنا يروي حكاية، وكل حكاية تنتظر من يفهمها.
أنت تقرأ
Venice
Romance🔞🔞 هذه الرواية تحمل بين طياتها أفكارًا نفسية ومشاهد قد تكون معقدة أو غير ملائمة للعقول الناشئة أو غير الناضجة. الغاية منها ليست فقط تسلية القارئ، بل أيضًا إلقاء الضوء على أعماق النفس البشرية وتعقيداتها. لذا، يُنصح بأن يكون القارئ على وعي كافٍ بما...
