صدى صامت

98 6 7
                                        

"ثمة لحظات يصبح فيها الصمت أكثر صخبًا من أي صراخ، حين تتلاقى العيون محمّلة بالأسئلة، ولا أحد يجرؤ على النطق بالإجابات."
_________________________
__________
22 سبتمبر
جامعة أرسطو-سالونيك-
08:06

سيارة «G-class» بيضاء ركنت للتو في مرأب الجامعةالمخصص للعمال فيها، سيارة فخمة و جميلة إلى أبعد الحدود، يبدو ان صاحبها ثري، بالحديث عن صاحبها!
كل الأنظار توجهت له فور نزوله من سيارته الضخمة...
ببذلة رسمية سوداء فاخرة، و معطف طويل بنفس اللون ، خطوات واثقة إلى أبعد الحدود، و كأنه واثق بجماله و جاذبيته.
رفع عينيه العسليتين من الطريق أمامه ناظرا نحو ساعته في يده.
هو متأخر سبع دقائق بالفعل! أسرع خطاه قليلا نحو الداخل قاصدا قاعة المحاضرات لقسم الحقوق
بالطبع ليست حصة تدريسية او محاضرة، هذا يومهم الاول في الجامعة و معه و ليست هذه الحصة سوى شكليات، تعرفون المقصد.... سيعرفهم عليه و على مادته و كذا حبه للانظباط و الهدوء و أنه يريدهم عقلاء ليكون عاقلا معهم هو الآخر، صدقا لما هذه المهنة بين كل مهن الأرض و زمردة!؟
تنهد تنهيدة تحمل تعبا و في نفس الثانية إنقلب مزاجه رأسا على عقب، إعتلت ملامحه إبتسامة هادئة فور إستعداده لفتح باب قاعة المحاضرات.
الأصوات في القاعة كانت مرتفعة نوعا ما لكنها ليست بالسوء الذي توقعه... مجرد محادثات بين الأصدقاء و ضحكات مستمتعة و ربما تذمرات من هنا و هناك.
و كالسحر.... فور ولوجه عبر الباب بدأت الأصوات تقلّ شيئا فشيئا إلى أن انعدمت عند وصوله لمكتبه القابع وسط المسطبة الكبيرة مقابلا لكل أولئك الطلاب.
ملامحه لم تغادرها الإبتسامة التي زادت إتساعا عن سابقتها فور رؤيته للهدوء الذي حل على القاعة.... لقد أحبهم قليلا لأنهم محترمون على عكس ما كان يتوقع، اول مرة له في القاعة كمدرس و ليس كطالب كانت جيدة، يبدو أنها بشارة خير .
خلع معطفه يقوم بوضعة على مسند الكرسي خاصته آخذا بعد ذلك وقته في تفقد طلابه .
أما بالنسبة لهم فالوضع غريب نوعا ما.... أعني... لقد دخل دخولا هادئا ثم بقي واقفا مسندا يديه لمكتبه يطالعهم، فقط يطالعهم دون أن ينبس بحرف.
لم يدم صمته طويلا إذ إعتدل في وقفته و عقد ذراعيه أسفل صدره لتتنهد إحداهن في المقاعد الأمامية دون قصد منها لافتتا أنظار الجميع و من ظمنهم الأستاذ، ردة فعله على ذلك كانت أن اهتز صدره في ضحكة صامتة ليصفق بعدها بيديه جاعلا الأنظار تحط عليه ثانية،
ليقول بعد صمته الذي دام طويلا بصوت مرتفع قليلا و بنبرة هادئة :
«ديميتريوس كاسكاديا.... أستاذكم لهذه السنة في القانون الدستوري »
ليبتسم بعدها الطلاب مصفقين له بعد هذا الخطاب الرائع، يبدو أنه اتعب نفسه بالتحضير له
ليردف بعدها:
«أتمنى منكم الجدية و الحزم في دراستكم، و من لديه سؤال ليتفضل به»
سار الأمر على نحو رائع بالنسبة لهم و له كذلك.... طلاب هادؤون و تبدوا عليهم المثابرة و هذا أرضاه.
أستاذ هادئ و لطيف ، و هذا أرضاهم.
مرت ساعتان تقريباو ها قد إنتهت الحصة التعريفية بين الأستاذ و طلابه و كذا طريقة سير المنهج لعامهم هذا.
راقب بعينيه الهادئتين بشكل غريب الطلاب الذين يخرجون من القاعة بعد إنتهاء الوقت إلى أن بقي وحده، جالس على كرسيه مرخ لظهره بينما ينظر للأعلى و ذهنه شارد كليا، تساؤلات عدة تدور في رأسه غير سامحة له بأن يسترخي.
تنهد تنهيدة متعبة أخرى لا تختلف عن سابقتها خلال الساعتين السابقتين.
هي هنا بالتأكيد...
في نفس الجامعة التي هو يعمل مدرسا بها....
و هي طالبة في سنتها الأخيرة من الطب، صيتها ذائع كونها غريبة الأطوار التي تحصل على علامات ممتازة.... ترتدي الفساتين دوما حتى لو كانت السماء تمطر قططا، تملك دوما تلك النظرة التي يصعب فهمها على وجهها و كأنها ترى كل شخص عينة تجارب أو ربما أسوء.
تنهد للمرة المليون اليوم..... لن يلتقي بها مهما حدث و حتى و إن حدث ذلك لن تتعرف عليه و هذا ما يأمله. و قف يحمل معطفه مرتديا إياه حاملا حقيبته متوجها نحو وجهته التالية.

appel and cherry /تفاح و كرزحيث تعيش القصص. اكتشف الآن