ولا تيأس قطّ من رحمة الله، فباليقين شق موسى البحر..
☕
ارتفَعت النداءات عبر مكبرات الصوت معلنة عن مواعيد الرحلات وأرقام البوابات، الحقائب تتحرك على الأحزمة المتنقلة، والموظفون منهمكون في تنظيم الإجراءات بينما تسارعت خطوات بعض المسافرين للحاق برحلاتهم..
كان المكان يعج بالطاقة والحيوية، وكأن الزمن داخل المطار يسير بوتيرة مختلفة تمامًا عن العالم الخارجي.. بوتيرة أسرع
وسط كلّ هذا إستطاع الحفاظ على هدوئه الذي انعكس على هيئته، خطواته لم تكن سريعة و لا بطيئة.. كان يأخذ و قتهُ فحسب رغمَ أنّ السرعة مصطلَح نقِشَ على قاموسه بحبرٍ زاهٍ..
أزالَ نضاراتِه و ابتسامَة خفيفة سارَعت على التحرر حينَ بَدَى له صديقه صلاح، هذا الأخيرُ الذي كان يستند على سيّارته السوداء بمظهره المرتّب يَفتح حزامَ ساعته ويعاودُ إغلاقه بملل..
وضَعَ يدهُ على كتفه حينَ صارَ حِذائَه يُخرجه من فقّاعة أفكَاره و نطَق بنبرَته البشوشَة و المغمورة بسعادة جعلت حروفهُ تهتز، ولـو استطاعت أن ترقص لفعلت..
"السلام عليكم ، كيف حالكَ يا رفيق؟!"
انتقلت عدوَى الإبتسام لصلاح فوراً حينَ رؤيتهِ له و حلّقَ بيدهِ لتلتقي بيدِ الآخر في مصافحة ودّية يليها عناقُ جانبي، نطَقا خلالَ ذلك بكلمات عديدة نصفُها لم يكن مفهوماً لعَشوائيّتِها..
"أطَلتَ يا عصام، أكادُ أتعرّفُ عليك"
نطقَ خلال إفلات عصام للحقيبة فحملها واضعيا إيّاها داخلَ السيارة ليُجيبهُ بنبرة متسائلة غلبَ عليها طابَعُ المرَح..
"أضحيتُ أوسَم؟"
إلتَفت إليه صلاح بمَلامح فارغة لبِضعِ ثوان قبل أن ينفجرا في الآنِ ذاته و يتردّدَ صوتُ ضحكتهما في الأرجاء كترنيمة مغمورة بالبهجة..
سنواتٌ مرّت منذ آخر لقاء جمعهنا، لكن هذا لم يجعل في صداقتهما ولو رُبُع المسافة الفاصلة بينهما..
" آسف لتحطيم فرضيّتك الوَاهية"
ركبَا السّيارة و آثارُ التبسّم لا تزالُ عالقة على مُحيّا كلّ منهما، فتح عصام نافذة السيارة يستنشق الهواء العليل الذي غمر صدرهُ بالألفة أخيراً بعدَ سنوات إغتِراب..
كانت الصّويرة مُفعمة بالحياة والبهجة، لم تخفَ عنه تلكَ الخفّة على وجوه الناس، و حركاتهم التي كانَت توحِي بنَشاط كبير قابعٍ داخلَ أجسامهم كأن لا أحد منهم يملك هموما أو شغلاً يشغل باله ويثقل كاهله..
