المقدمة

1K 25 0
                                    



المقدمة

انتفضت في مخبأها على إثر الصرخة المكتومة التي دوت قريبا منها .. ازدادت انكماشا حول نفسها وقلبها الصغير يخفق بصخب خافت من أن يفضح مكانها .. لا .. لم يكن ما تشعر به خوفا فحسب .. أنفاسها تتسارع لاهثة حتى عجزت رئتاها عن مجاراتها .. العرق يحتشد على جبينها وفوق شفتها العليا .. أطرافها ترتعش وحلقها يضيق مانعا صرخة جاهدت لتتجاوز فمها .. للمرة العاشرة تحاول عبثا بأصابعها الدقيقة أن تتصل به عبر هاتفها الصغير .. متجاهلة الأصوات الحادة والخشنة التي تعالت حولها .. الضجيج ودوي تحطم شيء لم تعرف لم تراءت لها على إثره صورة التمثال الخزفي الذي أحبته والدتها كثيرا .. وأصر والدها بعد وفاتها على أن يحتفظ به دائما أمام عينيه في مكتبه الخاص
.. أرجوك .. أرجوك طارق .. هذه المرة .. هذه المرة فقط .. إلا أن الاتصال انتهى هذه المرة أيضا بالصمت
الصمت ...
أدركت فجأة وهي تحبس أنفاسها .. يخنقها ذعر لم تعرفه أبدا في سنواتها الأربعة عشر .. بأن الصمت قد خيم على المكان .. ثقيلا .. قاسيا .. أسود اللون .. لو أن للصمت ألوان
من مكانها .. أسفل مكتب والدها حيث كانت تختبيء .. لم تكن قادرة على سماع أي شيء سوى صوت حفيف أوراق الشجر القادم من النافذة المفتوحة .. يهزها هواء ليل الخريف البارد ..
خطوات ثقيلة قطعت الصمت الشبيه بصمت القبور .. بطيئة .. مصممة .. كانت تقترب منها فازدادت انكماشا في مكانها .. عيناها تتسعان رعبا .. وأصابعها تزدادان تشبثا بالهاتف الصغير وكأنه طوق نجاتها الوحيد ..
خطت ساقان طويلتان لتقفا وراء المكتب .. أمامها مباشرة .. تعتليان زوجين من الأحذية المغطاة بالوحل لتلطخا السجادة الوثيرة الزرقاء اللون .. وقفتا هناك للحظات قليلة .. تشبعت بصوت أنفاس عنيفة وكأن صاحبها قد انتهى لتوه من عمل احتاج منه بذل الكثير من الجهد لإتمامه ..
حابسة أنفاسها .. راقبت الساقين تنثنيان .. حتى التقت عينان بسواد سماء تلك الليلة الحالكة بعينيها
:- عيد ميلاد سعيد يا حلوة !!

تبكيك اوراق الخريف الجزء الرابع من سلسلة للعشق فصول للكاتبة بلومىحيث تعيش القصص. اكتشف الآن