Wattpad   welcome!  login | sign up   Facebook Connect
 
Read what you like. Share what you write.

البداية و النهاية للإمام إسماعيل بن كثير الدمشقي‏.‏ 5

الجزء الخامس
سنة تسع من الهجرة، ذكر غزوة تبوك في رجب منها
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 28 - 29‏]‏‏.‏
روي عن ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن خبير، وقتادة، والضحاك، وغيرهم أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره‏.‏
قالت قريش‏:‏ لينقطعن عنَّا المتاجر والأسواق أيام الحج، وليذهبنَّ ما كنَّا نصيب منها؛ فعوضهم الله عن ذلك الأمر بقتال أهل الكتاب حتَّى يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون‏.‏
قلت‏:‏ فعزم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على قتال الرُّوم لأنهم أقرب النَّاس إليه، وأولى النَّاس بالدعوة إلى الحق، لقربهم إلى الإسلام وأهله‏.‏
وقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 123‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/6‏)‏
فلما عزم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على غزو الرُّوم عام تبوك، وكان ذلك في حرّ شديد، وضيق من الحال، جلَّى للنَّاس أمرها، ودعى من حوله من أحياء الأعراب للخروج معه، فأوعب معه بشر كثير، كما سيأتي قريباً من ثلاثين ألفاً، وتخلَّف آخرون، فعاتب الله من تخلَّف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم ووبَّخهم وقرعهم أشدَّ التَّقريع، وفضحهم أشدَّ الفضيحة، وأنزل فيهم قرآناً يُتلى، وبيَّن أمرهم في سورة براءة، كما قد بينَّا ذلك مبسوطاً في التَّفسير، وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال‏.‏
فقال تعالى‏:‏ ‏{‏انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 41 - 42‏]‏‏.‏ ثمَّ الآيات بعدها‏.‏
ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 122‏]‏‏.‏
فقيل‏:‏ إن هذه ناسخة لتلك‏.‏
وقيل‏:‏ لا، فالله أعلم‏.‏
قال ابن إسحاق‏:‏ ثم أقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب - يعني‏:‏ من سنة تسع - ثم أمر النَّاس بالتَّهيؤ لغزو الرُّوم‏.‏
فذكر الزُّهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله ابن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم من علمائنا كلٌ يحدِّث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدِّث مالم يحدِّث بعض‏:‏
أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أمر أصحابه بالتَّهيؤ لغزو الرُّوم، وذلك في زمان عسرة من النَّاس، وشدَّة الحرّ، وجدب من البلاد، وحين طابت الثِّمار، فالنَّاس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشُّخوص في الحال من الزَّمان الذي هم عليه‏.‏
وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قلَّ ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها، إلا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بيَّنها للنَّاس لبعد المشقة، وشدَّة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد إليه، ليتأهب النَّاس لذلك أهبته‏.‏
فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الرُّوم‏.‏
فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس - أحد بني سلمة -‏:‏ ‏(‏‏(‏يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏
فقال‏:‏ يا رسول الله أوتأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجل أشد عجباً بالنِّساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر‏.‏
فأعرض عنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏قد أذنت لك‏)‏‏)‏‏.‏
ففي الجد أنزل الله هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 49‏]‏‏.‏
وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض‏:‏ لا تنفروا في الحرّ زهادة في الجهاد، وشكَّاً في الحق، وإرجافاً بالرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم فأنزل الله فيهم‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 81-82‏]‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 5/7‏)‏
قال ابن هشام‏:‏ حدَّثني الثِّقة عمن حدَّثه عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن، عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة، عن أبيه، عن جده قال‏:‏ بلغ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي - وكان بيته عند جاسوم - يثبطون النَّاس عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في غزوة تبوك، فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة، فاقتحم الضحَّاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا‏.‏

Comments & Reviews ^top


Login to post your comment.
Be the first to comment on this!