welcome!  login | sign up   Facebook Connect
 
Read what you like. Share what you write.

Posted by

jeronemo

on May 11, 2008
Become a fan

وجهان لعنقاء واحدة

2


وجهان لعنقاء واحدة
روايـــــة


من منشورات اتحاد الكتاب العرب
دمشق - 2004
الوجـه الأول
الفــتــــــــاة


- ما أروعها بنتاً تشبهك يا حبيبتي!! قال مازن وهو يمسد أعلى بطني براحة كف ملؤها الدفء والحنان!!

-ما أروعه صبياً يشبهك يا حبيبي!! رددت بصوت ينضح غبطة وسعادة تصلان حد النشوة، وأنا مازلت مستلقية في سريري أتثاءب والقيلولة الطويلة لما تفك قبضتها عن أجفاني بعد. آه يا للقيلولة كم أحبها!! ترخي ببدنك كله بعد تعب النهار، وقد ملأت معدتك بما لذ وطاب فاسترخى كل ما فيك... ليأتي دور الحب!! فلا قيلولة بلا حب... مازن حريص عليه حرصي أنا أو أكثر. مذ تزوجنا صار ذلك طقساً من طقوسنا والطقوس مقدسة ينبغي الحفاظ عليها. ثمانية عشر شهراً عمر زواجنا وثمانية عشر شهراً ظللنا محافظين على ذلك الطقس. في الشهر الأخير فقط بدأ مازن يخشى الاقتراب مني فأشده إلي، أداعبه، أدغدغه، أَضمه، أقبله، فتذهب خشيته أحياناً ونعود لممارسة طقسنا الجميل ولا تذهب أحياناً أخرى. هو من حقه أن يخشى، فقد كان بطني يندفع أمامي ككوز الماء.. صحيح أنه ليس كبيراً كثيراً إذ هو بطني البكر، لكن الصحيح أيضاً أنه بات يجهدني.. فأتعرق أحياناً وألهث أحياناً أخرى وأنا أتمايل بكوزي المندفع أمامي ولا يملك زوجي وحبيبي إلا أن يشفق علي ويشعر بشيء من الخوف. لكنني لا أستسلم لخوفه. أشعر أن الحياة ينبوع ماء سرعان ما ينضب. بودي لو أمدد كل ثانية من تلك الحياة ساعة أو يوماً أو سنة، لأنهل من ذلك الينبوع وأنهل علني أرتوي.. هي لذيذة، جميلة، شهية هذه الحياة فلماذا لا أغتنم كل لحظة منها، أصنع فيها الفرح والمرح، السعادة والهناء؟ في بلدتنا كان ثمة شيخ عجوز لا يبصر إلا بالكاد، لا يسمع إلا بالكاد، لا يمشي إلا بالكاد... سألوه ذات مرة.. أية لذة تجدها في هذه الحياة؟ فأجاب، وهو يهز رأسه محركاً يديه حوله، "هذا الهواء الذي استنشقه أليس استنشاقه بحد ذاته لذة تفوق كل لذة؟" ذلك العجوز على حق.. الحياة حلوة، فيها الهواء، الماء، النور، وأشياء وأشياء يعجز المرء عن عدّها فكيف لا تكون جميلة؟ كيف لا يتمسك بها ذلك العجوز؟ كيف لا أعمل أنا على اقتناص كل لحظة من لحظاتها؟
-هيا، أيتها الكسول، انهضي!! أنت يا نؤوم العصر يا ريا الحشا والمخلخل!! تابع مازن وهو يدغدغ بشفتيه شحمة أذني فأزداد استرخاء وكسلاً...
-تريد الشاي!؟ قلت بنبرة المتدللة المغناج وأنا أعلم طقسه الآخر: شاي العصر...
-لا.. لا.. استريحي.. أنا أصنع لك الشاي يا أميرتي الحسناء!! ووثب عن السرير، مهراً سرت في عروقه دماء الربيع.. تلك الوثبة أذكرها في مازن جيداً، صورة ذلك المهر، بل الحصان الجامح، لا تفارق خيالي أبداً... فهي ذاتها كانت نقطة البداية.. وكانت المنعطف الذي غير مجرى حياتي...
كنت يومذاك ما أزال طالبة في مدرسة القبالة وكنت أمضي إلى بيت إحدى قريباتي.. أتناول الغداء وأقضي يوم الخميس، عطلتنا الأسبوعية، لديها. في زحام باب الجابية كنت قد انخرطت، شاردة بما لست أدري الآن، لكن فجأة شعرت أن شيئاً سلب مني.. التفت فإذا بحقيبتي اليدوية تطير في الجو وراكب دراجة يبتعد بها شاقاً طريقه عبر الزحام، متلوياً متمعجاً تلوي حية وتمعجها فوق كثيب من الرمال.. صرخت ملء صوتي "حرامي!! حقيبتي..!! حرامي!! "وأنا أشير بيدي إلى راكب الدراجة. وللتو رأيت الوثبة والحصان الذي انطلق يعدو، كأنما ليس هناك زحام.. اثنان أو ثلاثة آخرون انطلقوا إثره؛ لكن شتان ما بين القرد والغزال.. كانت عيناي تلاحقانه وهو يعدو أسرع من الغزال... صوتي ملء باب الجابية، ساقاي أطلقتهما للريح، أصطدم بهذا، أتعثر بذاك لكن دون أن أكف عن الركض.. فالحقيبة التي خطفها راكب الدراجة كانت تحوي كل ما أملك من مال.... أنا التي قبضت راتبها ذلك الصباح بل مع المال ذهب.. هوية.. وأوراق هامة أخرى، فماذا إن ضاع ذلك كله؟ ماذا سيكون رد أبي في بلدتي النائية هناك على شاطئ الفرات؟ ألن يشمت بي؟.. "تريدين تصيرين قابلة قانونية؟ تريدين تذهبين للشام؟ مالك وللشام مدينة كبيرة تضيعين بها. الناس فيها كالنمل.. يأكل بعضهم بعضاً ولا أحد لأحد. ابقي في بلدتك ديمة ودعك من القبالة والتمريض.. تزوجي وأنجبي أطفالاً أليس ذلك خيراً لك ؟ " كنت، وأنا أركض خلف الحصان أسمع كلام أبي يرن في أذني.... هو الذي ردده على مسامعي كثيراً حتى انحفر عميقاً هناك.. لكنني كنت قد تحولت إلى أذن من طين وأذن من عجين ومضيت إلى مدرسة القبالة.. أربع سنوات أصبح فيها قابلة قانونية، يناديني الناس "بالدكتورة". تحتاجني النسوة كلهن، يشرن إلي بالبنان، وأية متعة تفوق متعة أن يشير إليك الناس بالبنان!؟.
عند باب الحميدية تماماً استطاع الحصان الإمساك بالمحفظة فيما أفلت منه راكب الدراجة.. لم أره تلك اللحظة، فقد كان يحجبه عن ناظري البعد والناس.. لكنه روى لي فيما بعد كيف تابع الغلام- اللص محاولاً الإمساك به وإنزال العقاب فيه، لكن الغلام الذي سقط المرة تلو الأخرى عن دراجته كان ينهض لينطلق من جديد.. في السقطة الأخيرة أفلتت منه الحقيبة. التفت إلى مطارده، رآه على مقربة فتخلى عن فريسته وامتطى دراجته مسرعاً كالريح.
"تفضلي يا آنسة!!" قال الشاب ماداً يده بالحقيبة.. وهو ما يزال يتصبب عرقاً وتتقطع أنفاسه لهاثاً". "أوه!! لا أدري كيف أشكرك أيها الشاب الشهم صاحب المروءة!!". "لا شكر على واجب يا آنسة". وسمّرتني عبارته في مكاني.." كيف يقول والدي إذن...(الشام مدينة كبيرة تضيعين بها.. الناس فيها كالنمل يأكل بعضهم بعضاً ولا أحد لأحد)، وهاهو ذا شاب يندفع لخدمتي ويضحي من أجلي ويقول هذا واجبي!؟".
/ 102 Next Page

Comments & Reviews ^top


Login to post your comment.
Be the first to comment on this!


Recommended


ذاكرة جسد

الدوامة

بنات الرياض

إحدى عشر دقيقة

آخر سلالة عائلة البحار

رواية(الذاكره المستباحه

جسر الموت