|
||||||||
![]() |
||||||||
|
|
||||||||
|
التدريس بالكفايات أو موضة العصر؟
لعل المتتبعين والملاحظين يتتبعون عن كثب كل التطورات والمستجدات، وحتى المواطن العادي يسمع أنه في السنوات الأخيرة عرفت الدول المتقدمة ثورة عارمة في مجال التربية والتكوين، وطرأت تغييرات جذرية في البنيات الأساسية للمنظومة التربوية المؤسساتية، في ظل هذا التحول السريع بادرت وسارعت جمهرة من واضعي البرامج والمناهج ومهندسي التربية وصانعي القرارات الفوقية المركزية إلى اتخاذ حلول ترقيعية وسريعة، دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل المتداخلة والمتشابكة التي أفرزها الخط العام والتوجه السياسي (سياسة التعليم)، برمجة المقررات الدراسية (المنهاج الدراسي الأوسع والأشمل)، لقد توهم الأخصائيون دهاقنة الحقل التربوي والمعرفي أن لديهم خاتم سليمان يلجأون به إلى حلول سحرية وذلك بوضع استراتيجيات تربوية وبيداغوجية باعتماد مدخل التعليم بالكفايات التي ما زالت شعارات براقة· في حين ظل الفكر التربوي جامدا ومتصلبا، ومأسورا في قوقعة صلدة محارية (معقدة) لا تقبل الاختراق ورؤية نقدية ثاقبة تسبر الأغوار وتعري عن الميكانيزمات العامة المتحكمة في الأجهزة ودوالب التسيير، حيث إن الصعوبات المنهجية التي اعترضت سبيل الباحثين والمهتمين بالهموم التربوية تتمحور حول النظرة العميقة والرؤية الواضحة لمنظومتنا التربوية التي تعاني من رواسب ومخلفات الماضي المثقل بالمشاكل التراكمية والتي كانت عائقا اصطناعيا، وعقبة ابستيمولوجية في وجه الارتقاء والتطور· أمام هذه الأوضاع الصعبة والوضعيات المتعددة والمتباينة التي تتحكم فيها محكمات أساسية وضوابط عامة اقتصادية، اجتماعية ومعيشية أملتها ظروف سياسية محضة، وقع الاختيار على التعليم بالكفايات عوض التعليم بالأهداف، وهنا تطرح إشكالات متعددة وتساؤلات عريضة حول دواعي وأسباب تطبيق بيداغوجيا الكفايات، وذلك بعد تدارك المواقف والسلوكات اتجاه المنهاج الدراسي الأشمل الذي يحتوي على العناصر والمكونات الأساسية: مكون نفسي، مكون سوسيوثقافي، مكون سيكومهني، سؤال يتبادر إلى الذهن عند طرح الإشكالية العالقة: ما هي أوجه التشابه والتباين بينهما؟ (بداغوجيا الأهداف، بداغوجيا الكفايات)؟ لعل الموضوع يحيلنا على النظرية السلوكية والنظرية المعرفية، وبعبارة أدق التعليم بالأهداف والتعليم بالكفايات، وقد جاءت فكرة التجديد والتغيير بعد دراسات معمقة ومستفيضة حول الأوضاع العامة التعليمية، مما حدا بالفعاليات التربوية، اختيار التدريس بالكفايات أو مقاربة المنهاج الدراسي بالكفايات، وذلك بناءا على الدعامات الأساسية التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين المتضمن لفلسفة عامة وطريقة تفكير تعيد النظر في المناهج والبرامج التربوية والتكوينية وآليات الاشتغال والأدوات المعرفية والتي كانت سائدة، لم تأت مبادرة اختيار الكفايات عن طريق الصدفة بل كانت ولادة عسيرة تمخضت عن مجهودات جبارة من ذوي الاختصاص، ويعتبر هذا التوجه العام اختيارا بيداغوجيا يرمي إلى الارتقاء بالمتعلم، إذ أن المقاربة بالكفايات تستند إلى نظام متكامل ومندمج من المعارف والآداءات والإنجازات والخبرات والمهارات المنظمة التي تتيح للمتعلم ضمن وضعية تعليمية/تعلمية القيام أحسن قيام بالإنجازات والآداءات الملائمة التي تطلبها تلك الوضعية، ومن البديهي أن السعي إلى المقاربة الأداتية التي تعتمد على الكفايات الداخلية للمتعلم، وهي غير ملموسة ومحسوسة يمكن التعبير عنها بكيفية باطنية وهذا لا يعني أنها لا تتطور رغم أنها تتسم بالاستقرار والثبات، تزداد تطورا وتبلورا بناءا على الممارسة الفعلية والتجربة المعاشة والقدرة الذاتية والعقلية التي يتوفر عليها المتعلم، كإمكانية مؤهلات وملكات فكرية، يعني أن الكفاية توجد عند الشخص كطاقة تم اكتسابها عبر وضعيات معينة، وبإمكانه إبرازها عند الحاجة ولا تعني فقط ممارستها وتطبيقها في وضعية محددة وإلا ستصبح آداءا وإنجازا (Perfomance) حسب شومسكي chomsky، ونحن نتناول دراسة مفهوم "الكفاية"، نجد أنفسنا أمام تعدد المفاهيم والمعاني الدلالية والسيميائية للكلمة، لكننا سنحاول البحث عن أدوات معرفية وآليات تفكيكية لتحديد المفاهيم التي أصابها التشويش والخلط، ثمة مسألة أخرى لابد والتوقف عندها، وفحواها المقاربة العسيرة بين "الكفاية" و"القدرة"، حيث يعرف لو بترف (Le boeterf G) بكونها القدرة على التحويل، فالكفاية لا يمكن أن تقتصر على تنفيذ مهمة وحيدة ومتكررة بالنسبة للمعتاد، إنها تفترض القدرة على التعلم والتوافق؛ كما أنها تلاؤم لحل قسم من المشاكل أو لمواجهة فئة من الوضعيات وليس فقط لمواجهة مشكل معين ووضعية بعينها، فالكفاءة هي "القدرة على تكييف التصرف مع الوضعية ومواجهة الصعوبات غير المنتظرة؛ وكذلك قدرة الحفاظ على الموارد الذاتية للاستفادة منها أكثر ما يمكن، دون هدر للمجهود، إنها القدرة والاستعداد التلقائي بخلاف ما يقابل ذلك من تكرار بالنسبة للآخرين· إن معايير تحليلنا وفحصنا تستند إلى تولج المصطلحات التربوية "الكفاية" و"القدرة"، "الاستعداد"، "التصرف"، "المهارة"···، تولجا مفاهيميا وإيتيمولوجيا، وتلمسيا يعتمد الإجرائية (opérationisme) في الاشتغال، لقد ساهمت شروحات الأستاذين (د· محمد الدريج) صاحب "الكفايات في التعليم" من أجل تأسيس علمي للمنهاج المندمج، ثم (ذ· عبد الكريم غريب) "الكفايات" استراتيجيات وأساليب تقييم الجودة، حيث وقفنا عند نوعين أساسيين في الخطاب التربوي المعاصر والأدبيات المرتبطة
|
||||||||
|
© WP Technology Inc. 2010
User-posted content is subject to its own terms. |